إنّ حصر قضية "متفجّرات ضهر البيدر" في المعالجتين الأمنية والقضائية ليس سوى تعبير عن عجز سياسي وتهرّب من مواجهة جوهر المشكلة، بما يهدّد بإلحاقها بسابقاتها التي طواها النسيان. فالقضية سياسية بالدرجة الأولى، وأيّ معالجة تُغفل هذا البعد تبقى قاصرة، حتى لو أُحيل الملف إلى المجلس العدلي. ذلك أنّ الجانب السياسي ليس تفصيلا في القضية، بل هو وجهها الأخطر.
لقد بلغ نواب من "حزب الله" حدّ تحمّل المسؤولية الجنائية عن الشحنة والمطالبة باستعادتها، في موقف يُسقط عمليًا أيّ محاولة للفصل بين الجناح السياسي والتنظيم المسلّح. وهنا تكمن المعضلة التي تواجه الدولة: فالتعامل مع الشحنة باعتبارها مجرّد قضية أمنية أو جريمة معزولة سيقود حتمًا إلى مأزق سياسي وقضائي.
فالمسار القضائي، إذا سلك طريقه حتى النهاية، يفترض أن يصل إلى الأمين العام لـ "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم، بصفته صاحب القرار و "الآمر الناهي". فهل تملك الأجهزة القضائية والأمنية القدرة على اتخاذ قرار كهذا وتنفيذه؟ الجواب، طبعًا، لا.
وقد أدرك "الحزب" حدود قدرة الدولة على المواجهة، فلجأ إلى تحريك مسيرات الدراجات النارية، سواء على خلفية قضية الشحنة أو مستودع الأدوية، مطمئنًا إلى أنّ الغطاء السياسي الذي تتحرّك في ظلّه دوريات الجيش وقوى الأمن الداخلي يبقى محدودًا وظرفيًا، ويُمنح "على القطعة"، لا بموجب قرار ثابت يفرض سلطة الدولة على الجميع.
والأخطر أنّ ما ضُبط من شحنات متفجّرة لا يبدّد الغموض المحيط بمصير شحنات أخرى، فيما لا يتجاوز تحرّك المسؤولين مصادرة ما يُكتشف على الحواجز، بدلا من الانتقال إلى مداهمات تترجم قرارًا سياسيًا فعليًا بالتعامل مع "الحزب" باعتباره تنظيمًا مسلّحًا خارج إطار الشرعية.
أمّا ذريعة تخصيص هذه المواد لمواجهة الجيش الإسرائيلي، فلا تقلّ خطورة عن احتمال استخدامها في اغتيالات داخلية، وهو احتمال لا يجوز تجاهله أو إسقاطه من الحسابات.
إذ ليس مألوفًا أن يتدخّل رأس الدبلوماسية الأميركية في حادثة أمنية تتعلّق بشحنة متفجّرات، وأخرى قضائية تتصل بمحاولة الادّعاء على سفيرة لبنان لدى واشنطن ندى حمادة معوّض.
فموقف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لم يقتصر على الإدانة، بل تضمّن تحذيرًا صريحًا من إعادة المضبوطات إلى حامليها. وورد حرفيًا في بيانه: "إعادة المتفجّرات إلى (حزب الله) أمر ينبغي ألّا يكون وارد الحدوث على الإطلاق". ولعلّ مغزى هذا التحذير يعود إلى سوابق أُعيدت فيها مواد مماثلة إلى أصحابها.
مع العهد الجديد، يُستبعد أن يكون في ذهن أيّ مسؤول إعادة الشحنة إلى "الحزب"، لكنّ التحذير الأميركي بحدّ ذاته يكشف عن أزمة ثقة مع واشنطن آخذة في التصاعد.
هذه القضية ستضيف مزيدًا من التعقيدات إلى محاولات ترميم "صيغة الإطار"، خصوصًا أنّ الوفد العسكري توجّه الجمعة إلى تامبا في فلوريدا. وقد تفرض التوتّرات المتصاعدة في الشارع إعادة نظر في هذه الصيغة بعد الانتخابات الإسرائيلية.
في الداخل، يبدو أنّ الدولة ستواصل التعامل مع التحرّكات الاستفزازية لمنظّمي مسيرات الدراجات النارية بمنطق "ردّ الفعل". فلا تتدخّل القوى الأمنية إلّا إذا تجاوزت المواكب شوارع معيّنة أو تحوّلت إلى أعمال شغب.
لكنّ خطورة هذه المشاهد لا تقتصر على الشوارع التي تجتاحها، إذ سرعان ما تنتقل إلى الإعلام العالمي ودوائر القرار، حاملةً صورة سلبية عن قدرة الدولة على فرض هيبتها وحماية الاستقرار.
وبمعزل عن الغيوم المتلبّدة في سماء المنطقة، فإنّ تفاقم الأزمة الاقتصادية قد يفتح الباب أمام موجة أخرى من الاضطرابات الشعبية، يجد فيها "حزب الله" فرصة للتحكّم بإيقاع الشارع وتوظيف التوتّر في حساباته السياسية.
وعندها، ستجد القوى الأمنية نفسها أسيرة المواكب والتظاهرات، مستنزفةً في لعبة "القطّ والفأر" التي لا رابح فيها سوى "الحزب".
وهنا بيت القصيد: إنّ الاكتفاء بالمصادرات والملاحقات القضائية والدوريات المتنقّلة، من دون قرار سياسي يوازي خطورة القضية، لا يشكّل حلا، بل وصفة لاستنزاف الدولة وإغراقها في دوّامة الفعل وردّ الفعل. وهذا تحديدًا أقصى ما يتمناه "حزب الله": دولة تلاحق النتائج ولا تواجه الأسباب، وتطارد المظاهر فيما يبقى أصل المشكلة خارج المساءلة.