إنّ "ميثاق العيش المشترك" (الفقرة "ي" من مقدّمة الدستور اللبناني) له أيضًا موجباته في حال استغلال السكن والإقامة والتملّك من قبل قوى سياسية، وليس مجرّد مواطنين، نقيضًا لحقّ الأفراد في لبنان في التنقّل والسكن والتمتّع والإقامة. والحاجة إلى أن يتّعظ اللبنانيون من الاختبار المأساوي في فلسطين، المتمثّل في الاستيلاء على الأرض، ليس للتنقّل والإقامة والسكن، بل للاستعمار والهيمنة والتهجير السكاني بفعل الواقع الاقتصادي والمنافسة العقارية.
إنّ الضوابط التي يفرضها القانون اللبناني رقم 11.614، تاريخ 4/1/1969، والمعدّل سنة 1973، حول تملّك الأجانب، هي جزء من الحرص على السيادة والميثاق في تعدّدية النسيج الديمغرافي، شرط التقيّد بدقّة بموجبات القانون والمتابعة المستمرّة لشروطه. وسبق للوزير السابق بطرس حرب أن اقترح قانونًا في سبيل ضبط أعمال الشراء والبيع بين اللبنانيين لأهداف تتخطّى حقوق السكن والتنقّل والإقامة والتمتّع، التي كانت متوافرة بشكل طبيعي واضطربت بفعل التهجير خلال سنوات الحروب بين عامَي 1975 و1990.
بعد معاناة طويلة خلال الحروب المتعددة الجنسيات في لبنان في السنوات 1975- 1990 واستحالة التقسيم أو الفرز السكاني أو الفدرلة الجغرافية بواسطة تخمة المعابر والمتاريس في كل لبنان، ورد في مقدمة الدستور اللبناني:
"هـ. أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين. فلكل لبناني الحق في الاقامة على أي جزء منها، والتمتع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين".
ما ورد سابقًا حول "عقار ساسين... وهاجس تغيير ديمغرافي في الأشرفية مشّ للبيع" في الاجتماع الذي عقده ستة نواب من أصل ثمانية عن دائرة بيروت الأولى (مجد بو مجاهد، النهار، 24/12/2022) يحمل على مقاربة الموضوع من منطلق دستوري ومقارن، في سبيل حماية النسيج الديمغرافي من الاستغلال لأهداف سلطوية. رصدت "حركة الأرض" في لبنان اجراءات متراكمة في التملّك لصالح جهة طائفية بخاصة على طريق الشام (النهار، 13/1/2022). وحذّر رئيس بلدية الحدت مرارًا من كثافة تملّك لأهداف سياسية وليس مجرد عقارية (غسان حجار، النهار، 25/6/2019). وسبق لشكري برتو خوري ان حذر تكرارًا من مخاطر التملّك لأهداف سلطوية: Ne gaspillez pas la terre du Liban, 1964.
1. الاجتهادات العالمية والمقارنة: نظرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في شؤون تتعلق بحق التملك، بخاصة في المراجعة رقم 9063/80 تاريخ 24/11/1986 Guillow c. Royaume – Uni حيث طرح المستدعي مسألة الإدارة الذاتية لـ Guernesey في سبيل الحفاظ على المُلكية العقارية في الجزيرة لصالح السكّان الأصليين habitants indigènes. أقرت المحكمة الأوروبية مشروعية التدبير من دون الإقرار بتطبيق صارم له في الحالة المعروضة حيث الإدارة المحلية لم تتسلّم العقار الذي تملّكه صاحبه الذي كان رئيسًا لمصلحة حدائق الجزيرة.
يُفسّر Pierre Kovacs امكانية فرض حدود في التملّك العقاري في المجتمعات المتعددة البنية، بخاصة في هولندا والدنمارك وفنلندا، حفاظًا على نسيجها الاجتماعي. هذا ما طُرح مرارًا في الحالة اللبنانية من دون الارتكاز على مرجعية أو معايير. يقول Pierre Kovacs:
"تعتمد عدة جزر أوروبية ضوابط في التملّك العقاري: îles frisonnes des Pays-Bas, Féroés du Danemark, Allands de Finlande . سبب ذلك مرتبط بمواطنية محلية citoyenneté territoriale خشية قدوم كثيف إلى هذه الجزر يغيّر ملامحها الاتنية واللغوية أو مجرد المحلية. يحمل ذلك من هم أقل قدرة على الهجرة بسبب عدم توفر أماكن سكن بأسعار مناسبة. ولم تنحرف المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عن هذا التوجه":
Pierre Kovacs, ap. Laszlo Trocsanyi et Laureline Congnard (dir.), Statut et protection des minorités, Bruxelles, Bruylant, 2009, 254 p., pp. 49-81, p. 57.
يطرح الموضوع بشدة في أفريقيا الجنوبية منذ إصلاحات 1994. يواجه توزيع الأراضي للسود الذين انتزعت منهم أراضيهم إرادة الاستفادة غير المشروعة مع مقاومة قيادات محلية. يخشى اليوم السكان البيض الهجرة. نشرت Le Monde تحقيقًا في أربع صفحات حيث يورد سكان من البيض: "نحن جماعة مهدّدة بالزوال". وجاء أيضًا التعليق التالي: "قضية الأراضي محورية في تجديد التعاقد الوطني. كان نهب الأرض من المستعمرين البيض الخطيئة الأساسية في التمييز العنصري وهيمنة البيض. يتوجب اليوم التصحيح كي تستعيد الأمة روحيتها وارتباطها بماضيها وأجدادها وذكرياتها":Le Monde, 20-21/1/2019, pp. 14-17.
2. مكان الإقامة والانتخابات: نورد أيضًا أهمية مكان الإقامة في الانتخابات النيابية في لبنان الذي قد يستغل للتلاعب بالجغرافية الانتخابية. يؤثر التلاعب الجغرافي المذهبيgerrymandering communautaire من خلال معاملات تبديل مكان الاقامة على تمثيل الطوائف وعلى سياقات تخطي السياسة الطائفية استنادًا الى المادة 95 المعدلة من الدستور.
يفترض في الجغرافيا الانتخابية اللبنانية، التعامل في شأن تبديل مكان الإقامة كمسألة أساسية، حدّدت تفاصيلها الاجرائية المادة 40 من قانون الأحوال الشخصية، حيث يتوجب أن تعني الإقامة السكن الفعلي في المكان المسجل على بطاقة الهوية، أو على الأقل، توفّر صلات تاريخية أو عائلية أو ملكية عقارية في هذا المكان، وليس مجرد علاقة اقتراعية تبعية لمرشح أو لائحة، فينتقل مقترعون إلى صندوق اقتراع في مكان لا علاقة لهم به، سوى في التصويت. إن تبديل مكان الإقامة الذي يهدف أساسًا، في حال تحقق شروطه القانونية، إلى اندماج المواطن في بيئته الحياتية، قد ينحرف عن الغاية إذا تحوّل إلى وسيلة في التلاعب في الجغرافيا الانتخابية وبنيتها السكانية والمذهبية، بخاصة في مجتمع حيث الطوائف متوازنة نسبيًا في أعدادها ومتوزعة في المناطق.
لا مبرر بالتالي لأي معاملة في تبديل مكان الإقامة، إلا إذا انتفت كل صلة عائلية أو مهنية أو عقارية أو ضريبية للمواطن في مكان إقامته الأصلي المسجل في دوائر الأحوال الشخصية منذ ولادته. يتوجب على الباحثين والعاملين في الشأن الانتخابي، دراسة ظاهرة تبديل المكان في مدى توافر شروطه القانونية وحجمه وجغرافيته ومذهبيته.
يوجد اليوم في العالم أكثر من ثلاثين دولة مساحتها أقل من لبنان: الفاتيكان، موناكو، Nauru، Tuvalu، ٍSaint-Martin... هل تترك تملك أراضيها لكل مساعي الاحتيال وما هي القواعد الحقوقية التي تعتمدها؟ وما هي الأصول التي تعتمدها سويسرا حماية لنسيجها الاجتماعي والتاريخي؟
عضو المجلس الدستوري، 2009-2019