تحتفل "موسيقيات بعبدات" بمرور عشر سنوات على تأسيسها، في دورة جديدة تنطلق الليلة وتستمر حتى 26 تشرين الثاني 2026. ويجمع البرنامج بين الموسيقى الكلاسيكية والجاز والموسيقى العربية الشرقية، بمشاركة فنانين لبنانيين وعالميين في بعبدات وبيروت وطرابلس. وبين الاحتفال بإنجاز عقد كامل ومواجهة التحديات التي فرضتها الأزمات المتلاحقة على لبنان، يتمسّك المهرجان برسالته الثقافية، إيمانًا بأن الموسيقى ليست ترفًا، بل حاجة أساسية، وخصوصًا في الأوقات الصعبة.
في هذا الإطار، يقول مؤسس "موسيقيات بعبدات" سليمان قرباني، في حديث إلى "نداء الوطن"، إن "الدورة العاشرة تشكّل محطة استثنائية في مسيرة المهرجان، لأنها لا تقتصر على الاحتفال بمرور عقد على تأسيسه، بل تعيد التأكيد على استمرارية مشروع ثقافي حافظ على هويته رغم كل الصعوبات. وبالتالي، لم نرد أن تقتصر الاحتفالية على استضافة أسماء عالمية مميّزة أو تقديم حفلة واحدة، بل أردنا أن نجعل الموسيقى نفسها وسيلة للاحتفال. لذلك، حرصنا على زيادة عدد الحفلات وتوسيع حضور المهرجان ليشمل بيروت وطرابلس".
برنامج متنوّع
بحسب قرباني، "يجمع البرنامج بين تجارب موسيقية متنوّعة، إذ يشارك عازف البيانو إياد الصغير في حفل الافتتاح مع "الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية"، بقيادة المايسترو كريم سعيد، وهما فنانان تجمعهما جذور عربية مشتركة، وتتميّز مسيرتاهما بامتداد دولي. كما يشارك عازف الكمان ماريو الراعي وعازف البيانو جورج دكّاش في أمسية يقدّمان خلالها برنامجًا من الموسيقى الكلاسيكية اللبنانية، تحيةً للمؤلف الموسيقي اللبناني من أصل أرمني بوغوص جلاليان، ولعدد من المؤلفين اللبنانيين الآخرين، في مبادرة تسلّط الضوء على غنى التأليف الموسيقي اللبناني وإرثه الفني. ويستضيف المهرجان أيضًا عازف البيانو الأرمني هايك مليكيان في حفلتين ببيروت، إحداهما في "الجامعة الأميركية في بيروت"، والأخرى في "كنيسة مار يوسف للآباء اليسوعيين"، حيث يؤدي كونشيرتو لخاتشاتوريان مع "الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية"، بقيادة المايسترو رافي ميكايليان".
ويتابع قرباني: "في الموسيقى العربية الشرقية، يشارك الفنان شربل روحانا، إلى جانب عازف الكونترباص مكرم أبو الحسن وعازف البزق إيلي الخوري، في أمسية تحتفي بغنى الموسيقى العربية وبقدرتها على التعبير عن هويتنا الثقافية بروح فنية معاصرة ومتجدّدة. أما في مجال الجاز، فيشارك عازف الغيتار الدنماركي نيكلاس كنودسن في حفلتين، تجمعه إحداهما بعازف البيانو آرثر ساتيان، فيما يقدّم في الثانية أمسية موسيقية مع عازف الكونترباص مكرم أبو الحسن. ويشارك أيضًا عدد من الموسيقيين الدوليين الآخرين الذين سيثرون هذه الدورة بتجاربهم وأعمالهم الفنية. ويُختتم البرنامج بأمسية لاتينية تُخصّص بصورة أساسية للموسيقى البرازيلية، تقدّم خلالها "أوركسترا النفخ LeBAM"، بقيادة سيرغي بولون، ألحانًا وإيقاعات من أميركا اللاتينية".
عقبات وأمنيات
نسأل سليمان قرباني عن الصعوبات التي واجهت المهرجان خلال عقد من عمره، فيلفت إلى أن "التحدي المالي بقي من أبرز العقبات، في ظل ارتفاع كلفة التنظيم وصعوبة تأمين الموارد اللازمة لاستمرار المؤسسات الثقافية في لبنان، فيما نحرص على إبقاء معظم حفلاتنا مجانية، حتى لا تشكّل كلفة الدخول عائقًا أمام الجمهور". ويوضح أن "الدورة العاشرة حظيت بتمويل جزئي من الاتحاد الأوروبي، بالتعاون مع وزارة الثقافة اللبنانية، ضمن مشروع "الثقافة للجميع"، إلى جانب دعم الرعاة والمؤسسات الثقافية والسفارات وبلدية بعبدات والجهات المانحة الفردية".
أما أصعب المراحل التي مرّ بها المهرجان، فتمثّلت في إلغاء ثلاث دورات في اللحظات الأخيرة بسبب الحروب، بعد أشهر من التحضير والعمل. ولم يكن ذلك سهلا، سواء من الناحية المعنوية أو من الناحيتين التنظيمية والمالية، بحسب ما أشار قرباني.
منذ انطلاقه عام 2016، نظّم مهرجان "موسيقيات بعبدات" أكثر من خمسين حفلة موسيقية، ووصل إلى آلاف المستمعين. ولم تقتصر تجربته على الحفلات، بل شملت ورش عمل ودروسًا متخصصة أتاحت للموسيقيين الشباب الاستفادة من خبرات فنانين عالميين. ويقول قرباني: "البعد التعليمي يشكّل جزءًا أساسيًا من رسالة المهرجان، لأن استضافة الموسيقيين لا ينبغي أن تقتصر على تقديم العروض، بل يجب أن تمتد إلى نقل المعرفة والخبرة إلى الجيل الجديد".
وفي ما يتعلّق بالجمهور اللبناني، يرى قرباني أن ثمة جمهورًا متذوّقًا للموسيقى الكلاسيكية، "لكن التحدي يكمن في توسيع هذه القاعدة وجعلها أقرب إلى مختلف الأجيال"، لافتًا إلى أن "تقديم معظم الحفلات مجانًا، إلى جانب إتاحة فرص التعلّم والتفاعل مع الموسيقيين، يساهم إلى حدّ كبير في فتح المجال أمام جمهور جديد لا يملك بالضرورة تجربة سابقة مع هذا النوع من الموسيقى".
ويختم قرباني بالتأكيد أن "طموح المهرجان للسنوات المقبلة يتمثّل في تطوير برنامجه، وتعزيز فرص التعلّم أمام الشباب، وتوسيع حضوره الجغرافي، من دون التخلّي عن هويته الأساسية"، متمنيًا أن تبقى "موسيقيات بعبدات" ملتقى للموسيقى والثقافة والإبداع، وأن تظل الموسيقى حاضرة في حياتنا، مهما كانت التحديات.
يتوافر برنامج المهرجان على الموقع الإلكتروني: lesmusicales.org.
