ضمن فعاليات الدورة الثلاثين من "مهرجان السينما الأوروبية"، التقت "نداء الوطن" الناقد والمؤرخ السينمائي الفرنسي جان ميشال فرودون (Jean-Michel Frodon) في "سينماتيك متروبوليس". جمع الحوار بين الذاكرة السينمائية والأسئلة الراهنة، من علاقته ببيروت و "متروبوليس" إلى مستقبل النقد السينمائي، وصولا إلى الأفلام التي يرى أنها قادرة على تغيير نظرتنا إلى الفن والعالم. لا ينظر فرودون، الذي شغل سابقًا منصب رئيس تحرير مجلة "Cahiers du Cinéma"، وكرّس سنوات طويلة للكتابة والتأريخ السينمائي، إلى النقد بوصفه إصدار أحكام على الأفلام فحسب، بل باعتباره تجربة فكرية وثقافية تفتح أمام المشاهد آفاقًا جديدة للفهم والتأمل.
لا يعتبر فرودون نفسه متخصصًا في لبنان أو الشرق الأوسط، لكنه يرى أن أعمال السينمائيين اللبنانيين والفلسطينيين، وكذلك المصريين أحيانًا، ساعدت الجمهور الأوروبي على فهم ما جرى وما يزال يجري في المنطقة. ويشدّد على أهمية الإصغاء إلى هذه التجارب، مع الاعتراف بأن النظرة الآتية من الخارج لا تمتلك بالضرورة جميع مفاتيح فهم واقع شديد التعقيد.
أما بيروت، فيصفها بأنها مدينة تجمع بين الحقيقة والمخيّلة. مدينة يمكن للفرنسي أن يشعر تجاهها بمودة حتى قبل زيارتها. وقد زارها نحو سبع أو ثماني مرات، لكنه لا يدّعي معرفتها بالكامل، بل يتحدث عن شذرات منها، وعن حيوية إنسانية يلمسها رغم المآسي والآثار التي خلّفتها الحروب والأزمات.
تتجلى عاطفته الخاصة حين يتحدث عن "متروبوليس"، التي تابع مسيرتها عن قرب من خلال أصدقاء ارتبطوا بتاريخها، من بينهم خليل جريج وجوانا حاجي توما، وكذلك هانيا مروة، مؤسّسة ومديرة "سينما متروبوليس"، التي تُبقيه مطّلعًا على تطورات المشاريع السينمائية عبر لقاءاتهما في المهرجانات. وتعود علاقة جان ميشال فرودون ببيروت إلى بدايات مشروع "متروبوليس"، حين واكب انطلاقته وساهم في برمجة دورته الأولى، في المرحلة التي كان فيها المشروع في منطقة الحمرا. واليوم، يعود إلى المدينة للمشاركة في فعاليات "مهرجان السينما الأوروبية"، حاملا معه ذاكرة علاقته الطويلة بالمشروع وأصدقائه.
كما يكشف أن بعض طلابه في "معهد الدراسات السياسية" في باريس ساهموا سابقًا في التفكير في مسائل مرتبطة بـ"متروبوليس"، ومنها فكرة تكوين مجموعة من نسخ الأفلام وكيفية بناء المشروع وتطويره. وعندما زار المقر الحالي، أُعجب بما أُنجز، معتبرًا أنه مشروع استثنائي في أي مكان من العالم، فكيف إذا تحقّق في بلد يواجه أزمات اقتصادية وإنسانية وحروبًا متلاحقة؟
بالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر ببناء الصالات فحسب، بل بمشروع إنساني وفكري وفني واجتماعي يجسّد الرغبة في البناء والمشاركة والانفتاح، رغم الظروف الصعبة. وهي شهادة تختصر الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الثقافية في حماية الحياة الفنية وإيجاد مساحات للقاء والحوار.
النقد السينمائي
بعد نحو خمسة وأربعين عامًا من العمل النقدي، لا يرى جان ميشال فرودون أن النقد السينمائي يعيش نهايته، رغم التحولات التي فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي. فالناس، كما يوضح، لطالما تبادلوا آراءهم حول الأفلام، وأعلنوا إعجابهم بها أو نفورهم منها. الجديد هو وسيلة التعبير، لا الرغبة في مشاركة الانطباعات. لكنه يميّز بين التعليق السريع والنقد الحقيقي، الذي يحتاج إلى وقت وتأمل وكتابة وبناء فكرة قابلة للنقاش. فالنقد، في نظره، يتيح الانتقال من ردّ الفعل المباشر إلى تجربة فكرية أعمق، سواء تجسّدت في نص مكتوب أو مداخلة شفهية منظّمة ومدروسة.
ويؤكد أن للجيل الجديد مكانه في هذا المجال، مشيرًا إلى وجود نقّاد شباب يمارسون عملهم بدافع الحب والفضول الفكري والرغبة في مشاركة أفكارهم مع الآخرين. بل يلفت إلى أن فرنسا تضم اليوم مجلات سينمائية أكثر مما كانت تضم قبل خمسة وعشرين عامًا. ويشير إلى أن تجارب عديدة تبدأ عبر الإنترنت وفي مجموعات صغيرة من الطلاب والأصدقاء، قبل أن تتحول إلى مشاريع نقدية مستقلة.
غير أن قلقه الأساسي يتعلق بصعوبة تحويل النقد إلى مهنة تضمن العيش الكريم. فبينما كان الناقد يستطيع أن يتقاضى أجرًا مقابل الكتابة في الصحف، يضطر كثيرون اليوم إلى ممارسة النقد عبر الإنترنت بدافع الشغف، من دون مقابل مادي ثابت. وهكذا، يفرّق فرودون بين حيوية الفكر النقدي وأزمة الاستقرار المهني.
وعلى الرغم من ذلك، تبدو نظرته إلى مستقبل السينما متفائلة. فهو يرى في المهرجانات ونوادي السينما فرصًا لبناء جمهور دائم، لا مجرد مناسبات لتنظيم أحداث عابرة. ويعتبر أن السينما تشكّل مساحة للتصدّي في عالم يشهد أزمات كثيرة، لأنها تساعدنا على التفكير في علاقتنا بالآخرين، وبالمكان والزمان، وبحياتنا العاطفية والعائلية. إنها، بالنسبة إليه، وسيلة لفهم التجربة الإنسانية، لا مجرد مادة للترفيه أو إصدار الأحكام.
رحلة سينمائية مفتوحة
في ختام الحوار، طلبنا من فرودون ترشيح بضعة أفلام ينبغي لكل من يهتم بالسينما مشاهدتها مرة واحدة على الأقل. ابتسم أمام صعوبة الاختيار، موضحًا أن إجابته قد تتغيّر من أسبوع إلى آخر، قبل أن يسمّي أربعة أعمال يراها غنية بالدلالات:
أولها فيلم "A bout de souffle" الذي صدر عام 1960 للمخرج الفرنسي جان لوك غودار، ويعتبره فرودون فيلمًا استثنائيًا منذ ظهوره، وما يزال يحتفظ بقيمته حتى اليوم. أما الثاني فهو "المصير" للمخرج المصري يوسف شاهين، وهو فيلم يجمع بين القضايا الفكرية والسياسية والدينية، وبين الأغاني والحيوية والبهجة، مقدّمًا نموذجًا لقدرة السينما على معالجة المسائل الخطيرة بلغة فنية نابضة بالحياة. ويختار أيضًا "Yi Yi" للمخرج التايواني إدوارد يانغ، وهو فيلم يتأمل تغيّر المدينة والعائلة والعلاقات الإنسانية بين الأجيال. أما الفيلم الرابع فهو الوثائقي "Welfare" للمخرج الأميركي فريدريك وايزمان، ويشيد فرودون بقدرة الفيلم على الإصغاء إلى الناس وكشف الأبعاد الإنسانية والسياسية والاقتصادية في حياتهم اليومية.
اختياراته الأربعة ترسم خريطة سينمائية تتجاوز الحدود والثقافات، وتجمع بين التجريب الروائي، والأسئلة الفكرية، والتحولات الاجتماعية، والإنصات إلى الإنسان.
وفي ختام هذا اللقاء مع الناقد والمؤرخ السينمائي الفرنسي جان ميشال فرودون، لا بدّ من شكر "سينما متروبوليس" على تنظيم هذه المقابلة وإتاحة هذا الحوار، وتحديدًا السيدة هانيا مروة، مؤسّسة ومديرة "سينما متروبوليس" في بيروت، التي تجهد في دعم هذا المشروع الثقافي والفني. وفي بيروت، حيث يصبح الحفاظ على المساحات الثقافية واحدًا من أفعال التمسّك بالحياة، تذكّرنا "متروبوليس" بأن السينما ليست مجرد أفلام تُعرض، بل مساحة للقاء والتفكير والانفتاح على العالم. ولعلّ هذه هي الرسالة الأهم في حديثنا مع جان ميشال فرودون: "ما دام هناك من يشاهد الأفلام ويفكّر فيها ويشارك الآخرين تجربته، فإن السينما ستظلّ قادرة على مقاومة اليأس وتوسيع أفق الإنسان".