عندما يكتشف الإنسان أن عمره مضى في خدمة الآخرين على حساب راحته الشخصية وهويته ورغباته الخاصة، سيبلغ حتمًا الإستنزاف النفسي والجسدي، ويبدأ البحث عن التغيير في محاولة استعادة التوازن ما بين العطاء والواجبات من جهة وذاته المفقودة من جهة أخرى.
ما من فئة إجتماعية محددة أكثر عرضة لهذا النوع من الإستنزاف دون أخرى، فأي مقدّم رعاية سواء كان أمًّا أو راعٍ لفرد من ذي الاحتياجات الخاصة أو لوالدين مسنيّن أو عاملٍ في مؤسسة رعاية دائمة، يواجه خطر الإرهاق المزمن. إنما تختلف طبيعة الإستنزاف وأسبابه بحسب متطلّبات الرعاية ومدّتها والدعم المتاح والقدرة على الحصول على قسط وافٍ من الاستراحة.
إشارات عدّة تنذر بوصول مقدّم الرعاية إلى حالة الإستنزاف العاطفي منها، وفق الدكتور رويدا بو حيدر المتخصصة في التنمية الإجتماعية والإقتصادية، الإرهاق المستمرّ الذي لا يزيله قسطًا من الراحة، المزاجية وسرعة الإنفعال والغضب والشعور بالذنب في حال الرغبة بتخصيص وقتٍ للذات بعيدًا من خدمة الآخر، تراجع القدرة في التركيز والاحساس بالتشاؤم وتراكم المسؤوليات رغم الجهود، فضلاً عن شعور بالفراغ وعدم القدرة على التعاطف مع الآخرين.
إضافة إلى رغبة في الإنعزال عن المجتمع أو في التوّقف عن ممارسة النشاطات أو في التفكير بخطط مهنية مستقبلية، أي تراجع في الاهتمام بالحياة الشخصية، لترتبط هوية الراعي بمسؤولياته تجاه الآخر فقط، ما يوقعه في دوّامة الحزن الصامت والقلق والتأهّب المستمرّ، أي ترّقب حالات الطوارئ ما يؤثر في أمانه وقدرته على الاسترخاء.
وتشير د. بو حيدر إلى أن مقدّم الرعاية قد لا يلاحظ تلك الإنعكاسات النفسية غير المرئية، لكنها تتراكم تدريجًا، بتركيزه على احتياجات الآخر دون التعبير عن احتياجاته الخاصة، ما يجعله متماسكًا لفترة طويلة، مقدّمًا الرعاية بكفاءة عالية، رغم معاناته الداخلية.
وعن كيفية تمييز الاستنزاف العاطفي عن التعب العابر، تلفت إلى ضرورة النظر في المدّة الزمنية للإرهاق ومدى ارتباطه بالظروف المحيطة بالرعاية، وتأثيره في الحياة اليومية، ومدى الإستجابة للراحة، "فحين نتعب، قد تكفي فترة استراحة معيّنة لاستعادة الطاقة على عكس الاستنزاف العاطفي الذي يُفقدنا الإحساس بالأمان والسعادة والثقة بالتغييرات المستقبلية".
"فتتحوّل رعاية الآخرين من تعبير عن حب ومسؤولية إلى مصدر للإرهاق النفسي، لأن العطاء غير المتوازن بين احتياجاتنا الشخصية واحتياجات الآخر يستنزف الطاقة الجسدية والنفسية معًا ويوقعنا في دوامة متمثّلة ب"انهاك، انفعال، ذنب" يأتي بعدها إفراط في العطاء وإرهاق أكبر".
إنطلاقًا من ذلك تمرّ الرعاية بالآخرين بمراحل عدّة، "في الأولى تكون بدافع الحب والاهتمام، وتتحوّل في الثانية إلى إلتزام دائم لتلبية احتياجات الآخر، ما يشعر مقدّم الرعاية بعدم القدرة على الانسحاب، فيتبدّل العطاء من اختيار مرن إلى واجب لا نستطيع التخلي عنه. أمّا في الثالثة، فيظهر إهمال الذات بسبب تراكم الارهاق، حيث يؤجل الراعي راحته ويكبت مشاعره لئلا يضغط على طالب الرعاية، ما يوّلد لديه شعورًا بالذنب وخشية من تفسير رفضه لبعض الطلبات كإهمال أو تقصير. ويصل الراعي في المرحلة الأخيرة إلى الانهاك العاطفي، حيث يشعر بأنه يقدّم أكثر من طاقته، فيصبح عندها سريع الإنفعال والاستياء، فاقدًا لمتعة المساعدة رغم محبته لطالب الرعاية."
وعن استعادة التوازن في الحياة من دون التخلي عن خدمة الآخرين، تشدد على أهمية إعادة تعريف المسؤولية، أي التمييز بين ما يمكن تقديمه من رعاية وما لا يستطيع مقدّم الرعاية تحمّله لوحده. والتدرّب على كيفية وضع حدود واضحة، والإقتناع بأن التمسّك بالراحة الشخصية أساسيّ وليس أنانيّة، فضلاً عن تعلّم كيفية الاصغاء إلى المشاعر الخاصة كالغضب والاستياء والانفعال. وإنطلاقًا من ذلك تنصح بوحيدر باستشارة اختصاصي للمساعدة على التخلّص من الانهاك المستمر الذي يؤثر في النوم والمزاج والقدرة على القيام بالمهام اليومية.
وتضيف:" أحيانًا لا يتعب الإنسان من الحبّ اللامحدود، إنما من تعبيره عن حبّه في التحمّل الدائم والتنازل المستمرّ وتأمين احتياجات الآخرين على حساب احتياجاتنا الخاصة. فالنضج العاطفي لا يعني التخلي عمّن نحب، بل أن نتعلّم ماهية العطاء المتوازن الصحي".
وتشرح د. بو حيدر صعوبة اكتشاف آثار الإرهاق بسبب الاعتياد على التضحية، حيث يفسّر الراعي إرهاقه على أنه جزء طبيعي من مسؤوليته بدلاً من كونه اشارة تستحق الاهتمام، خصوصًا حين يسمع ثناءً على قدرة تحمّله من دون شكوى، فيظنّ أن إخفاء تعبه ضرورة كما تأجيل اعتنائه بنفسه إلى حين انتهاء مسؤولياته.
لذلك يجب وفق بو حيدر، اعتراف الراعي بمشاعره التي تستنزفه أولاً، وكسر عزلته عبر التحدثّ مع من يثق فيه للتعبير عن احتياجاته الشخصية، وطلب المساعدة لمهام محددة لتحقيق التغيير الملموس. فضلاً عن تخصيص وقت منتظم ودائم للراحة بعد تعب شديد. إضافة إلى تخفيف شعوره بالذنب وتعلّم وضع حدود للآخرين بطريقة واضحة وسليمة. وكذلك البحث عن مجموعة دعم لتقديم الارشادات والمساعدة. واستشارة طبيب أو متخصص في حال الشعور بالاستنزاف العاطفي الشديد.
وعن الخطوات التي يجب اتباعها عند الشعور بالوحدة وثقل المسؤولية، تقول:" يجب أن يدرك مقدّم الرعاية أن واجباته هي مسؤولية إنسانية مشتركة لذلك فإن طلب المساعدة ليس ضعفًا أو تقصيرًا، وأن الوحدة لا تعني غياب الافراد المحيطين بنا عن المساعدة. إلى ذلك تلعب مؤسسات الرعاية دورًا أساسيًا في الدعم النفسي من خلال توفير الارشاد والتدريب على ادارة الضغوط وتسهيل الوصول الى الخدمات المتخصصة، وتبادل الخبرات والتجارب وتوفير خدمات بديلة وفترات استراحة منتظمة، ما يخفف الشعور بالوحدة والاستنزاف العاطفي ويعلّم كيفية تخطي مشاعر القلق والذنب."
أما دور أفراد الأسرة فمهم جدًا أيضًا، "إذ يرتكز على توزيع المسؤوليات بعدالة ووضوح، وتعزيز تبادل الأفكار وتقاسم المهام اليومية، وتوفير فترات راحة منتظمة لمقدّم الرعاية، ودعمه نفسيًا ومعنويًا من دون لوم وانتقاد بل على العكس احترام المجهود المبذول بحب وعطاء".
وتتحدث عن أسباب ربط بعضهم الحبّ بالتضحية الدائمة، مشيرة إلى مجموعة من العوامل التربوية والاجتماعية والنفسية التي تقيس قيمة الحبّ بمدى التنازلات وليس بكيفية التوازن بين خدمة الآخر والذات. فتعزو ذلك إلى طريقة التنشئة داخل الأسرة، وإلى التوّقعات الاجتماعية، وإلى الخوف من فقدان المحبّة. مشددة على أن "الحب لا يطلب إلغاء الذات، والتضحية ليست مقياسًا وحيدًا للاخلاص."
وتؤكد د. بو حيدر أخيرًا أهمية طلب المساعدة أو مشاركة الرعاية عندما يستمرّ الإرهاق كي لا يؤثر في الصحة الجسدية والنفسية والقدرة على الاعتناء بالذات والآخر، خصوصًا إذا زاد الغضب والانفعال والأرق والرغبة في الإنعزال أو إيذاء الذات أو الآخرين وفقدنا الثقة في النفس والقدرة في التركيز، وإذ فقدنا الإهتمام بالأمور الشخصية.
