"ما كان" للروائية نرمين الخنسا

6 دقائق للقراءة
"الرسائل تشدّها من الداخل؛ قرأتها مرارًا، ثم أغلقت الشاشة" (صورة AI)

حين يغدو الماضي صوتًا خافتًا ينبض تحت ركام السنين، تأتي رواية "ما كان"، الصادرة أخيرًا عن "دار سائر المشرق" للكاتبة والروائية نرمين الخنسا، لتفتح نافذة أثيرية على أغوار النفس البشرية في مواجهة الفقد والتجاوز. تنسج الخنسا في عملها الجديد رحلة نفسية شائكة، بطلتها "نورهان"، المترجمة التي تعيش بين دفّتي الكتب وتلافيف اللغات، محاولةً بصمت العبور من عتمة الخسارات والانكسارات المتتالية إلى رمق النجاة. هنا فصل من الرواية.

أخذ الهدوء الهش الذي تشيّده نورهان يتبدّد فجأة حين بدأت رسائل قصيرة وغامضة، مجهولة المصدر، تصل إليها، لكنها رسائل مدججة بتفاصيل حميمة لا يملك سرّها أحد سواها. وضعتها هذه الرسائل في مهبّ التيه، بين الحب والهوس، والوحدة والوهم، لتقف مشدوهة أمام السؤال الأعمق والأكثر إرباكًا: من يكتب حياتنا فعليًا؟

راحت بعدها الرسائل تتوالى على هاتف نورهان يوميًا، وبالتوقيت الصباحي نفسه تقريبًا. كانت كل رسالة تبدو أقصر من سابقاتها، لكنها أكثر دقة ووجعًا، وأكثر غموضًا وإرباكًا؛ شعرت نورهان أن المرسل يعرفها جيدًا، ويعرف تفاصيل حياتها، ويعرف كيف يلمس قلبها بدقة لا يمكن تجاهلها. ومع كل رسالة، كانت عيناها تتوقفان عند كلمة، أو فاصلة، أو فراغ صغير بين السطور، محاولةً فك الرموز الخفية، وقراءة ما لم يُقَل صراحة. ومع كل إشعار جديد، كان قلبها يخفق بقوة، فالماضي وجد فجأة طريقه ليقاطع الحاضر، لا كذكرى بعيدة، بل كحضور حيّ يرفض أن يُنسى.

بعد أسبوع تقريبًا، رنّ هاتف نورهان؛ كان اسم منال يضيء الشاشة. تردّدت لحظة قبل أن تجيب، فقد كانت تنتظر هذا الاتصال وتخشاه في آن. جاء صوت منال مباشرًا، بلا مقدمات:

- لم أوفّق لغاية الآن في اكتشاف المرسل؛ فهو لم يردّ على اتصالاتي ورسائلي، ولا حتى على اتصالات آخرين جنّدتهم من أجل تلك المهمة. لكن بعد أن فكّرت كثيرًا في الأمر، وجدت أن هناك احتمالا لا يمكن تجاهله. ثم تابعت منال بنبرة حذرة:

- ماذا لو كان وليد؟

شعرت نورهان بانقباض مفاجئ في صدرها، كأن الاسم سُحب من قاع قديم لم تكن مستعدة لملامسته. مرّ طيف العلاقة سريعًا في رأسها؛ بدايتها المرتبكة، ونهايتها الحاسمة، والمسافة الطويلة التي وضعتها بعدها بينهما.

قالت بهدوء حاولت أن يبدو ثابتًا:

- لا أظن ذلك. علاقتي بوليد انتهت منذ زمن؛ انتهت تمامًا. ثم إنه هاجر إلى كندا. وربما يكون قد تزوّج أيضًا.

تدخلت منال بحذر، حتى لا تدفعها نحو الرفض السريع، قائلة:

- أعرف. لكن أحيانًا، بعض الناس لا تنتهي علاقاتهم في اللحظة نفسها التي نغلق فيها الأبواب؛ إذ يبقى شيء معلّقًا، قد يكون رغبة في الاطمئنان، أو حاجة إلى التذكير بالحضور.

صمتت نورهان قليلا، ثم قالت:

- لكن وليد لم يكن كذلك؛ فقد كان دائمًا واضحًا ومباشرًا، وإن قرر أن يعود يومًا إلى حياتي، لفعل ذلك بجرأة، معلنًا اسمه وحضوره، دون أن يختبئ خلف رسائل مبهمة. ثم إن ما بيننا لم يبقَ منه ما يدعوه للعودة.

تنفّست منال بعمق على الطرف الآخر من الخط، وردّت ضاحكة:

- لا تغضبي. سأسحب اسم وليد من التداول. ثم تابعت:

- نحن إذًا أمام شخص يعرفك، أو على الأقل يعرف كيف يقترب منك دون أن يظهر.

- يبدو الأمر هكذا.

أنهت نورهان المكالمة وهي تشعر بتسارع ضربات قلبها بعد أن سمعت اسم وليد؛ وقد كان استغرابها أعمق من الخوف، لأن أكثر ما أقلقها لم يكن احتمال أن يكون وليدًا، بل أن يكون هناك من يشبهه في القدرة على العبور إلى داخلها، بعد كل هذا الوقت.

في صباح اليوم التالي، كانت نورهان تقرأ مقالا مترجمًا من إحدى المجلات الأجنبية يتناول فكرة أن الوحدة ليست مجرّد فراغ ينتظر الامتلاء، بل قد تكون مساحة خصبة للنمو الداخلي وتشكّل الذات. ففي الأدب وعلم النفس، يُشار كثيرًا إلى هذا التحوّل من "العزلة الموحشة" إلى "الخلوة المثمرة". طوت الصفحة على عجل، وأرجأت قراءة المقال إلى وقت لاحق.

بعد وقت قليل، وفيما كانت منشغلة بتحضير فطورها في المطبخ، التقط سمعها رنين الرسائل الواردة؛ أسرعت نحو المكتبة حيث تركت هاتفها، لتجد رسالة قصيرة كُتب فيها:

"ما زلتِ تشربين قهوتكِ مُرّة؟ كنتِ تقولين إن السكّر يُفسد الصباح".

شهقت نورهان وتوقّفت عند الجملة الأولى؛ لم يكن السؤال غريبًا في ذاته، لكن طريقته بدت مألوفة أكثر مما ينبغي.

"القهوة المرّة"، عبارة قديمة، قيلت لها في زمن لا تحب استعادته. أعادت قراءة الرسالة، ثم انتبهت إلى الصيغة: "كنتِ تقولين". لم تكن معرفة عابرة، بل ذاكرة مشتركة، جملة قيلت ذات يوم، ثم حُفظت كما هي.

بعد دقائق قليلة، وصلت رسالة ثانية: "المدينة لم تتغيّر كثيرًا، نحن فقط من تغيّر". ثم وصلتها بعد ساعتين تقريبًا رسالة ثالثة تقول: "أعرف جيدًا أن الصمت خياركِ حين تشتدّ الأشياء".

شعرت في ذاك النهار بانقباض حادّ في صدرها؛ القهوة المرّة، والمدينة، والصمت. هذا الجمع لم يكن مصادفة. وليد وحده كان يربط التفاصيل الصغيرة بهذا الشكل، ويمنحها وزنًا أكبر مما تحتمل، ثم يتركها معلّقة في الهواء.

وضعت الهاتف جانبًا، لكن يدها عادت إليه سريعًا، فالرسائل تشدّها من الداخل؛ قرأتها مرارًا، ثم أغلقت الشاشة. جملة "أعرف جيدًا أن الصمت خياركِ حين تشتدّ الأشياء" لم تكن عابرة، ولم يقلها لها كثيرون؛ قالها وليد مرّة واحدة فقط، في حديث قديم، حين اختارت الصمت بدلا من الشرح. جلست على المقعد وقلبها يخفق بإيقاع غير منتظم؛ لم تكن متأكدة إن كان هو، لكنها باتت متأكدة أن من يكتب يعرف وليدًا، أو كان قريبًا منه بما يكفي ليحمل لغته. وذلك وحده كان كافيًا ليُقلقها أكثر من أي اسم صريح.

بعد يوم، وصلت رسالة جديدة: "لا تبحثي عمّن رحل، فهو قادم إليك".

كان وقع تلك الرسالة الأقسى. تسارع نبض قلبها، كأنها تقف للمرة الأولى أمام منعطف مجهول؛ لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في وليد، ولا من احتمال عودته بعد كل تلك السنوات بهذه الطريقة الخفية.

"هل منال على حق؟ هل يمكن أن يكون هو؟" سألت نفسها بنبرة مضطربة، وهي ترفع يدها لتلمس الشاشة. تردّدت، ثم عادت الفكرة لتفرض نفسها بإلحاح.

جلست على الأرض، وأسندت ظهرها إلى الحائط. راحت تستعيد كل ما كان: الضحكات، والانتصارات الصغيرة، والأحاديث الطويلة، وكل ما حملته تلك العلاقة من حلاوة ومرارة. بدا كل شيء أمامها كلوحة متكسّرة، وكانت كل رسالة قطعة صغيرة تحاول ببطء إعادة ترتيب ما تبقّى منها.

هذه المرّة، أمسكت الهاتف بحذر أشدّ. استجمعت شجاعتها وكتبت: "إن كنتَ من الماضي، فلا تُوقظني".

ظلّت طوال الليل تحمل الهاتف بين يديها، وتحدّق في الشاشة التي تراءت لها كنافذة نحو شيء غير مرئي. لم يأتِ الرد، وبقيت عالقة بين الغياب والحضور، تتنازعها التحليلات والافتراضات، ورسائل تصل بلا موعد، وصمت ليل يحتضن قلبها برفق.

غلاف الرواية