رفيق خوري

سياسات ستاتيكو أخطر من الحرب

3 دقائق للقراءة
زوطر الغربية قبل أيام ( أ ف ب)

التحدي قائم، ولو لم يتم كشف شاحنة المتفجرات في ضهر البيدر، ولا كان هناك اقتراح أمام مجلس الوزراء بإحالة التهديد للأمن الوطني على المجلس العدلي. وهو صار أكبر وأخطر بعدما أعلن "حزب الله" أن المتفجرات له مطالبًا بإعادتها، ولم ينقصه سوى الدعوة إلى منح أوسمة للناقلين والمدعوين "ذو الفقار وساجد". قائم قبل ذهاب الدولة إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركا والتوصل إلى اتفاق "الإطار الثلاثي".

وإلا ما معنى أن يقرر مجلس الوزراء سحب السلاح من "الحزب" وحظر نشاطاته العسكرية والأمنية، ثم الوقوف مكتوف اليدين أمام شنه حربي إسناد غزة وإسناد إيران ساخرًا من حصرية السلاح وإعلان الدولة استعادة قرار الحرب والسلم؟ وما الفائدة من كل القرارات، إذا بقي من يتخذها عاجزًا، لا فقط من تنفيذها، بل أيضًا حتى عن إقناع "الحزب" بألا ينضم من جدید إلى حرب إيران، إذا تجددت بقرار أميركي وإسرائيلي أو إيراني؟

لا أحد يجهل تعقيدات الوضع. لكن من المفارقات أن تجمع الدولة بين الجرأة المعنوية على الورق وفي الخطاب ومعها الفهم العميق للتحدي وضرورة مواجهته وبين محاذرة القيام بالخطوات العملية التي من دونها لا مخرج من المأزق. فالرهان على تأجيل الأمور، بصرف النظر عن كونه نوعًا من الحكمة أو الخوف، ومتأثرًا بتهبيط الحيطان أو بتهديد جدي، هو وصفة لجعل الوضع الخطير أخطر، وما يسمى حسن التقدير سوء القراءة. و"الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك" حسب المثل الشهير. فكيف إذا كان الوقت اللبناني مستقطعًا في لعبة إقليمية دولية كبيرة؟ وكيف إذا كان الشغل الرسمي يدور حول نفسه، ویدار تحت مجهر عربي ودولي وأمام أكثرية شعبية جرى تحميلها أكبر قدر من الآمال والأحلام لترى نفسها في كوابيس الخوف على مصير الجمهورية؟

لا مهرب من مواجهة التحدي. فالقرار الرسمي كان واضحًا وحاسمًا في إعلانه نهاية "المقاومة" التي كشفت حرب الإسناد عجزها عن حماية الجنوب وأهله، كما عن منع إسرائيل من إعادة احتلال لبنان، وإصرارها على الاحتفاظ بالسلاح والدفاع عن الجمهورية الإسلامية على حساب الجمهورية اللبنانية. وما يسمى "محور المقاومة" الذي يقوده في المنطقة "الحرس الثوري الإيراني"، يواجه أوضاعًا جيوسياسية واستراتيجية صعبة، من غزة إلى صنعاء مرورًا ببغداد وبيروت ودمشق. وأقل ما تهددنا به إسرائيل هو أنها "لن تنسحب من المنطقة الآمنة في جنوب لبنان ما لم يُنزع سلاح حزب الله من كل لبنان"، كما قال وزير الحرب يسرائیل كاتس الذي هدد بإضافة النبطية وشمال الليطاني والضاحية الجنوبية إلى منطقة الاحتلال.

والمشهد أمامنا مخيف، ومن حولنا مقلق، وسط كثير من اللايقين. وإذا بقيت الدولة مترددة في سحب السلاح، وأميركا وإسرائيل مصرّتَين على ربط التقدّم في المفاوضات بسحب السلاح، و"حزب الله" مُقيمًا على التمسّك بالسلاح الذي لا فرصة أمامه لدحر الاحتلال، ولا حتى للتأثير في حرب إيران، فإنّ المعادلة واضحة: بقاء السلاح والاحتلال معًا، ونهاية الفرصة المفتوحة أمام لبنان للخروج من أعمق أزمة وطنية وسياسية ومالية واقتصادية واجتماعية. ستاتيكو أخطر من الحرب. لا مساعدات، لا استثمارات، ولا خطة لحلّ الأزمة التي قادت إليها سرقة المال العام والخاص، والمسمّاة تهذيبًا "الفجوة" المالية.

يقول هيغل: "كل ما هو واقعي معقول". لكن من الصعب فهم ما هو واقعي في لبنان بالعقل.