مروان الأمين

جماعة "الرفضين"

3 دقائق للقراءة

يعتبر البعض أن هناك علاقة تخادمية بين "حزب الله" وإسرائيل، ولذلك، يساوون بين رفضهم لسلاح "الحزب" ورفضهم لمشروع السلام بين لبنان وإسرائيل.

هذه المقاربة، التي يدعي أصحابها أنهم يتقدمون للرأي العام بمظهر المثالي والمتفوق أخلاقيًا، تتجاهل حقيقة أساسية: رفض السلام لا ينهي الصراع، بل يترك لبنان ساحة مفتوحة لاستمراره، وهذه تحديدًا هي الظروف التي يستفيد منها "حزب الله"، أو أي مجموعة أخرى، للحفاظ على مبررات وجود تشيكله العسكري والاحتفاظ بالسلاح.

"حزب الله" لا يحتاج إلى موافقة هؤلاء على مشروعه كي يستفيد منهم، بل يكفيه أن تلتقي نتائج مواقفهم مع مصالحه، حتى لو انطلقت من قناعات مختلفة تمامًا. وعندما يرفض هؤلاء سلاحه، لكنهم يرفضون أيضًا أي مسار سياسي يمكن أن ينهي حالة الحرب مع إسرائيل، فإنهم يساهمون في إبقاء الظروف التي يستخدمها "الحزب" لتبرير استمرار تسلحه واحتفاظه بقرار الحرب والسلم.

المشكلة تكمن في تحويل "الرفضَين"، رفض السلاح ورفض السلام، إلى موقف سياسي يمنع التمييز بين النتائج والمكتسبات التي تترتب عن كلّ من هذين "الرفضين".

فرفض سلاح "حزب الله" لا يكفي لاكتمال مثاليتهم السياسية إلا باستكماله برفض خيار السلام. وعليه، إنّ الرفض الثاني ينهي الفعالية السياسية للرفض الأول، فيصبح معه رفضهم الأول بلا قيمة عمليّة. فـ"حزب الله" لا يريد ولا يتوقع من هؤلاء أكثر من ذلك.

إذا كان الهدف هو استعادة الدولة سيادتها، وحصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها، ومنع استخدام الأراضي اللبنانية لخدمة حسابات ومشاريع إقليمية، فإن إنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل يصبح هدفًا أساسيًا في هذه المعركة، لا خيارًا هامشيًا يمكن القفز عنه أو رفضه.

هنا تكمن المفارق: يريد هؤلاء إنهاء الدور العسكري لـ"حزب الله"، لكنهم يرفضون إنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، والانتقال للمرّة الأولى إلى خيار السلام الذي يشكل المدخل الوحيد لسحب أحد أبرز المبررات التي يستند إليها "الحزب" لتسويغ استمرار تمسكه بسلاحه. يدينون احتفاظه بالسلاح، لكنهم يقبلون، عمليًا، ببقاء لبنان ساحة مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، بما يتيح لـ"الحزب" إعادة إنتاج روايته عن المقاومة وضرورة السلاح، مهما كانت الكلفة التي يتحملها اللبنانيون.

إن رفض السلاح والسلام معًا، لا يعبّر عن مثالية سياسية أو تفوق أخلاقي وقِيَمي كما يحاولون الإيحاء. فهذه المعايير لا تُقاس بـ"رفضين"، بل بالقدرة على تحديد ما يساهم في تأمين استقرار دائم وإنهاء الحروب المتكرّرة.

إن المطلوب ليس الاختيار بين "حزب الله" وإسرائيل، بل الاختيار بين بقاء لبنان ساحة مفتوحة للحروب، وبين العمل على إنهاء ذلك، والمدخل لتحقيق ذلك هو إنهاء حالة العداء بين البلدين والوصول إلى اتفاق سلام. وفي هذا السياق، يصبح السلام مصلحة لبنانية يستحق النقاش والتفاوض على شروطه، لا محرّمًا أيديولوجيًا يُرفض لمجرد أن الطرف الآخر هو إسرائيل.

أما الذين يحملون عنوان "الضدين"، ضد "حزب الله" وضد إسرائيل، ويرفضون السلام بين لبنان وإسرائيل، عليهم أن يدركوا أن رفضهم لا يُبقيهم خارج المحاور. فعندما يؤدي موقفهم إلى إبقاء لبنان ساحة للحرب، فإنهم يساهمون في خدمة "حزب الله" استراتيجيًا: يرفضون مشروعه، لكنهم يتركون له البيئة والظروف التي يحتاج إليها لتبرير سلاحه واستمرار دوره العسكري. وهكذا، تتحول المثالية السياسية والرِفعة الأخلاقية التي يدّعونها، إلى ورقة سياسية تمنح "الحزب" ما يريده.