رفيق خوري

حرب غير أهلية

3 دقائق للقراءة

لا مشروعية لأي مشروع على حساب الشرعية ومشروع الدولة الوطنية. ولا قوة مهما يكن وراءها عمق إقليمي قادرة على تحقيق معادلة وترجمتها العملية، أن السلاح ثابت ولبنان متغيّر. لكن ما بقي من غطرسة القوة في أيام الضعف يدفع إلى استسهال التهديد بحرب أهلية دفاعًا عن سلاح "حزب الله". وهذه قمة الاستهتار بالبلد والناس. والأخطر هو التكيف مع التهديد كأنه تعبير عن موقف سياسي ضد "خطر وجودي" وليس جريمة حرب، وإن لم تقع حرب.

ذلك أن الذين يهددون وخصومهم يعرفون أنه ليس في لبنان حرب أهلية خالصة كاملة الأوصاف. فكل حروب لبنان وتسوياته من القرن التاسع عشر إلى القرن الحادي والعشرين كانت حروبًا وتسويات تتداخل فيها العوامل الداخلية والخارجية. حرب الإمارة الشهابية التي تداخلت فيها الصراعات المحلية والصراعات المصرية أيام محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا والدعم الفرنسي وسياسات السلطنة العثمانية وبريطانيا، انتهت بتسوية هندسها مستشار النمسا مترنيخ عنوانها "حكم القائمقاميتين". حرب ما بعد القائمقاميتين والتي كانت الصراعات الأهلية الطائفية فيها بارزة وصلت إلى دمشق، وشهدت تدخلا عسكريًا فرنسيًا وأدوارًا ملتبسة للسلطنة، انتهت بتسوية "المتصرفية" في جبل لبنان برعاية فرنسا وبريطانيا والنمسا وبروسيا وروسيا والسلطنة، وكان الدور المباشر في لملمة ذيول الصراعات الطائفية بعد التسوية لوزير الخارجية العثماني فؤاد باشا. كذلك الأمر في أحداث 1958 وحرب لبنان الكبيرة، حيث تجمعت الصراعات المحلية والعربية والإقليمية والدولية قبل التوصل إلى اتفاق الطائف.

ولا أحد يجهل أنه لا حرب أهلية من دون رعاية خارجية وتمويل وتسليح وحتى مشاركة خارجية من أجل أهداف أكبر من لبنان. والظروف اليوم تختلف عن الظروف التي قادت إلى حرب لبنان بفواعلها اللبنانية والفلسطينية والإسرائيلية والسورية والعربية والدولية. فالحرب التي يهدد بها حزب إيديولوجي مذهبي مرتبط بالحرس الثوري الإيراني هي حرب ضد الجيش والأكثرية الرسمية والشعبية، وبالتالي حرب فاقدة لأساس الحرب الأهلية وأقرب إلى تمرد فريق على الشرعية وبقية الأحزاب والقوى والطوائف والمرجعيات. وهي، فوق ذلك، حرب في بلد تحتل إسرائيل جنوبه وتهدد بالتمدد من الليطاني إلى الأولي، وتدير أمیرکا مفاوضات بينه وبين إسرائيل عنوانها اتفاق "الإطار الثلاثي". فما معنى تجاهل الاحتلال والذهاب إلى حرب أهلية باسم سلاح فشل في ردع العدو ومنعه من إعادة الاحتلال؟وماذا لو انهارت الشرعية وتمكن "حزب الله" من السيطرة على البلد بشكل مباشر بعد أيام الهيمنة غير المباشرة؟

أي سيناريو يكتمل؟ قتال في حرب أهلية للحفاظ على سلاح توقف عن مواجهة الاحتلال وجرائمه الوحشية، مع وعد بالعودة إلى المقاومة؟ تفاوض مع العدو من أجل ما هو أبعد من هدنة مع دفع ثمن ذلك؟ انتظار مرحلة جدیدة في الحرب بين إیران وأميركا ومعها إسرائيل للمشاركة فيها؟ وأين تصير إعادة الإعمار وعودة الأسرى واستعادة أهل الجنوب لأرضهم المجروفة في أكثر من ستين قرية؟

كل السيناريوهات خطيرة على لبنان. وهي أخطر على "الحزب" والمشروع الإقليمي الإيراني الذي هو جزء منه. وأسوأ قراءة استراتيجية هي التي تتجاهل التحولات الجارية في الإقليم ودورها في لبنان، وتركز على دور سلاح معطل في مشروع إقليمي متراجع ومحكوم إقليميًا ودوليًا بأنه مهمة مستحيلة.

وفرنسا دفعت غاليًا في النهاية ثمن حروب نابليون القائل: "المرء يبدأ الحرب ثم ينتظر ليرى ما سيحدث".