إنّ جوهر الديمقراطية يقوم على أنّ الشعب هو مصدر السلطات وصاحب القرار؛ يملك وحده حق اختيار مَن يحكمهُ، ومُحاسبته وعزله بطرق سلمية ودورية إذا حادَ عن الصواب...
وقد أظهَرت الانتخابات الأخيرة في إسرائيل احتراماً كبيراً لأُسُس النظام الديمقراطي، وإلى وجود نظام برلماني متعدِِّد الأحزاب يسمح بتمثيل واسع لمختلف التيارات الفكرية والسياسية، بما في ذلك الأحزاب اليمينية، واليسارية، والوسطية، والأحزاب الممثِِّلة للمواطنين العرب في إسرائيل...
إنّ الانتظام الصارم في المواعيد الدستورية وإجراء الإنتخابات الدورية يُمثِِّلان العمود الفقري لأيّ نظام ديمقراطي حقيقي.. فالإلتزام بالمهل الدستورية ليس مجرّد إجراء لوجستي، بل هو الضمانة الأساسية لمنع استبداد السلطة وتأكيد مبدأ "الشعب هو مصدر السلطات"...
فالسلطة في الأنظمة الديمقراطية هي "وكالة مؤقّتة" تمنحها الشعوب للممثّلين الشرعيين (النواب أو الرؤساء) لفترة زمنية محدّدة.. وعندما تنتهي هذه الفترة دون العودة إلى صناديق الإقتراع، تفقُد السلطة الحاكِمة مبرّر وجودها الأخلاقي والقانوني، ويتحوّل الحُكم إلى واقع مفروض قسرًا...
يُنظَر إلى المشهد الإسرائيلي كنموذج لانتظام العمل المؤسّساتي، حيث تجري الإنتخابات النيابية في مواعيدها دون إبطاء.. ورغم الإنتقادات الواسعة التي تُوجَّه إلى نظام التمثيل النسبي المُطلَق في إسرائيل، والذي يتسبَّب في أزمات تشكيل حكومية حادة ودوامات انتخابية متتالية، إلاّ أنّ الإلتزام بالمهل القانونية وإجراء الانتخابات في مواعيدها، أو حتى تقصير مدّة البرلمان والذهاب إلى انتخابات مُبكرة، يَظلّ قاعدة لا يتمّ تجاوزها...
إنّ التمديد المتكرِِّر لمجلس النواب اللبناني، ولاسيما بعد "الطائف"، وتحديداً في الأعوام 2013 و 2014 و 2026، يُشكِِّل انتهاكاً لروح الدستور ومبادئ النظام الديمقراطي القائم على تداول السلطة ودورية الإنتخابات. (لا شرعية لمن مدَّد لنفسه؛ الحساب آتٍ لا مَحالة)... فالمبرّرات الأمنية أو السياسية غالبًا ما تكون ذريعة لتجنُّب الإستحقاق الإنتخابي، ممّا يؤدّي إلى حرمان المواطنين من حقّهم في المُحاسبَة والإختيار، ويُضعِف شرعية المؤسّسة التشريعية...
في الخِتام، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ وجود السلاح خارج إطار الدولة لدى "حزب الله" وأتباعه يُقوّض مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الإنتخابية.. فهو يُشكّل عامل ضغط معنوي وسياسي يمنح الطرف الذي يمتلكهُ امتيازاً فائضاً عن بقية المكوّنات، ممّا يمنع المنافسة السياسية المتكافئة...
إنّ تَشابُك السلاح غير الشرعي، والفساد المؤسَّسي، والمال الإنتخابي، مع غياب الوعي السياسي والتدخّلات الخارجية، لا يُعطّل العملية الإنتخابية فحسب، بل يُمثّل "سرطاناً سياسياً" ينهش جسد الدولة اللبنانية من الوريد إلى الوريد.
إنّ النواب الذين يمدّدون لأنفسهم لا يحمون الوطن من الظروف، بل يحمون مقاعدهم من حُكم الشعب.. فـ"الظروف الاستثنائية" وُجِدَت لتُثبت قوّة المؤسّسات بالالتزام بالقانون، لا لتكون ذريعة لاغتصاب الوكالة المحدودة.
باحث وكاتب سياسي