عشية الانتخابات النصفية الأميركية، لوّح الرئيس دونالد ترامب باستخدام سلاح "الفيتو" في مواجهة الكونغرس إذا نجح الديموقراطيون في انتزاع الغالبية فيه من الجمهوريين، في إشارة إلى استعداده لخوض مواجهة سياسية قد تطبع العامين الأخيرين من ولايته الثانية. ويأتي هذا التهديد فيما قدّم مرشّحو الحزبين الجمهوري والديموقراطي رسائلهم الختامية إلى الناخبين الذين يتوجّهون اليوم إلى صناديق الاقتراع، وسط استطلاعات للرأي تصبّ إلى حدّ كبير في مصلحة الديموقراطيين، إذ تُظهر أنّهم على وشك استعادة الغالبية في مجلس النواب، مع امتلاكهم فرصة للفوز بمجلس الشيوخ.
واستباقًا لاحتمال خسارة الجمهوريين سيطرتهم الكاملة على الكونغرس، توعّد ترامب باستخدام حقّ النقض ضدّ مشاريع القوانين التي قد يقرّها الديموقراطيون وتصل إلى مكتبه، قائلًا إنّه سيصبح "السيّد فيتو"، وإنّ الديموقراطيين، بعد شهر أو شهرين من اصطدام مشاريعهم بسلطته الرئاسية، "سيأتون إلينا، وعندها نعقد صفقة". ورغم أنّ الدستور الأميركي يُتيح للكونغرس تجاوز الفيتو الرئاسي بغالبية الثلثين في كلا المجلسين، فإنّ حشد هذه الغالبية شبه مستحيل في ظلّ الانقسام الحزبي الحادّ.
يعكس كلام ترامب استعدادًا لمرحلة جديدة من الحكم، وهي حالة يتيحها النظام السياسي الأميركي القائم على الفصل بين السلطات وإجراء انتخابات تشريعية كلّ عامين، بما يفرض على البيت الأبيض والسلطة التشريعية البحث عن تسويات عندما تتوزّع السيطرة بين الجمهوريين والديموقراطيين. لكنّ الانتقال من المواجهة إلى التفاهم يبدو أكثر تعقيدًا في ظلّ الاستقطاب السياسي المتفاقم، خصوصًا أنّ فوز الديموقراطيين سيُفسَّر على نطاق واسع باعتباره رفضًا لسياسات ترامب، فيما لا تبدو قاعدته الشعبية متحمّسة لتقديم تنازلات لخصومه.
مع ذلك، فإنّ المواجهة المفتوحة ليست بالضرورة قدرًا محتومًا. فالديموقراطيون معنيّون بإثبات قدرتهم أمام الناخبين المعتدلين على معالجة أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة، فيما لا يريد ترامب إنهاء ولايته على وقع أزمة اقتصادية قد تُلقي بظلالها على إرثه السياسي. ومن هنا، قد تفرض المصالح المتبادلة على الطرفين البحث عن أرضية مشتركة، ولو بعد مرحلة من التعطيل والتجاذب.
لكنّ ترامب لا يستعدّ للمواجهة التشريعية فحسب، بل لوّح أيضًا بإصدار قرارات عفو عن حلفائه وأعضاء إدارته، تحسّبًا لاحتمال تعرّضهم لملاحقات قضائية على خلفية تحقيقات قد يفتحها الديموقراطيون إذا استعادوا الغالبية في الكونغرس أو أحد مجلسَيه. ورغم أنّ اللجان البرلمانية لا تملك صلاحية توجيه اتهامات جنائية، فإنّها تستطيع استدعاء المسؤولين للإدلاء بشهاداتهم وإلزامهم بتقديم الأدلّة والوثائق، فضلًا عن إحالة ما تتوصّل إليه إلى وزارة العدل. غير أنّ بقاء الوزارة تحت سلطة إدارة ترامب يجعل احتمال تحوّل تلك التحقيقات إلى ملاحقات جنائية فدرالية ضئيلًا، من دون أن يلغي تداعياتها السياسية والإعلامية المحتملة على الرئيس وحلفائه.
وبالتوازي مع هذه الحسابات السياسية، شهدت الانتخابات النصفية إقبالًا كثيفًا على التصويت المبكّر، إذ أدلى نحو 54 مليون أميركي بأصواتهم قبل فتح صناديق الاقتراع اليوم. ورغم أنّ الديموقراطيين يميلون تاريخيًّا إلى المشاركة في التصويت المبكّر بنسب أعلى من الجمهوريين، فإنّ هذه الأرقام لا تكفي وحدها لتحديد اتجاه النتائج، خصوصًا أنّ الجمهوريين يعتمدون بدرجة أكبر على التصويت يوم الانتخابات.
وعكست الكلفة الإعلانية غير المسبوقة حجم الرهانات على هذا الاستحقاق، إذ بلغ الإنفاق على الإعلانات الانتخابية نحو 11.8 مليار دولار، في رقم قياسي ساهم في بلوغه عدد من كبار المانحين الأثرياء. وكان أبرزهم إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم والحليف المقرّب من ترامب، الذي قدّم ما يقارب نصف مليار دولار لدعم المرشّحين الجمهوريين.