ليست المسألة في بعلبك الهرمل مجرد وضع حجر أساس لمستشفى حكومي أو زيارة وزير إلى منطقة حدودية، بل في ما تكشفه هاتان المحطتان من واقع سياسي وإنمائي طال إنتظاره فيما حاولت الشعارات تغطيته. فاليوم تعود الدولة إلى المشهد في منطقة اعتادت أن تكون حاضرة في الحسابات الأمنية والسياسية، وغائبة عن أولويات الخدمات والإنماء.
من مستشفى حربتا الذي أبصر مشروعه طريق التنفيذ بتمويل كويتي بعد تأجيل طويل، إلى الهرمل التي استقبلت وزير الزراعة نزار هاني بعد سنوات من المطالب والوعود، في مفارقة لعلها الأبرز في منطقة رفعت لسنوات شعارات الاكتفاء الذاتي الحزبي والقدرة على تأمين مقومات الصمود، فيما لا تزال تنتظر أبسط مقوماتها في الزراعة والصحة والبنى التحتية. مفارقة تطرح أسئلة عن سنوات النفوذ السياسي والتمثيل النيابي والوزاري لأبناء المنطقة، وأين أصبحت الوعود التي رافقت حضور القوى السياسية من المنطقة على اختلاف طوائفها في مؤسسات الدولة؟
فتح تمويل الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية لمستشفى حربتا الباب أمام عددٍ من الحقائق والتساؤلات المشروعة في منطقة اعتادت أن تبقى أسيرة واقع فرض عليها، وأبرز هذه الحقائق أن الدولة هي الأصل والمرجع، فالمشروع الحيوي لم يمرّ عبر بوابات حزبية أو فئوية، بل عبر القنوات الرسمية للدولة اللبنانية. ومعه طرح السؤال عن التقصير والتأخير في بلوغ المشروع النور، وأين كان النفوذ السياسي للنواب والوزراء خلال الحكومات السابقة لوضعه على سكة التنفيذ، فيما يتحمل أبناء بعلبك الهرمل أعباء الانتقال إلى المستشفيات البعيدة، ويدفعون أثمانًا صحية واجتماعية ومادية باهظة؟
وتظهر المفارقة السياسية حين يقف البعض إلى جانب السفير الكويتي للاحتفاء بالمشروع، في حين أن الخطابات السياسية والمنابر لا تكف عن العداء لهذا العمق العربي الذي يبلسم جراح البيئة عند كل استحقاق، وانتقلت يافطات الشكر والتقدير من شكرًا قطر إلى شكرًا الكويت، ما يؤكد أهمية العمق العربي في دعم لبنان ومؤسساته، بعيدًا من الحسابات والشعارات التي لم تنتج سوى الانقسام.
أما زيارة وزير الزراعة إلى الهرمل، فلا يمكن فصلها عن واقع قطاع زراعي يشكل أحد أعمدة الاقتصاد المحلي، لكنه يواجه تحديات متراكمة من ارتفاع كلفة الانتاج، إلى ضعف التسويق وغياب الخطط التي تحمي المزارع. لا يمكن إنكار أهمية افتتاح مركز الخدمات الإنمائية الزراعية التابع لاتحاد بلديات الهرمل، وتدشين مركز القصر الزراعي، والاهتمام بالمعرض الزراعي ومهرجان الزيتون، فالهرمل ليست منطقة تفتقر إلى المقومات الإنتاجية والزراعية، بل إلى سياسات قادرة على تحويل هذه المقومات إلى فرص اقتصادية، من نهر العاصي والثروة السمكية، إلى مشروع سد العاصي، وتنوع الإنتاج الزراعي وتطوير الصناعات الغذائية.
غير أن ملف القنب الهندي وإقرار المراسيم التنظيمية يبقى الهم الأساسي لعدد كبير من أبناء المنطقة في بعلبك الهرمل، المعنيين أساسًا بهذا الملف، فهل حملت زيارة الوزير الإجابات عن هواجس وتساؤلات الناس هنا عن قضية طال انتظار حلها؟ هل حمل معه جدولا زمنيًا واضحًا وحلول جذرية بعيدًا عن تخدير الأوجاع بجرعات إضافية من الوعود السياسية في بيئة لم تعد تحتمل المسكنات.
بين حربتا والهرمل تتجاوز المسألة حدود مستشفى ومركز زراعي، هي مناسبة للسؤال عن سنوات طويلة من النفوذ السياسي والحكومي، وهل تحول الحضور حينها إلى مؤسسات ومشاريع تحمي الناس وتؤمن لهم مقومات الحياة؟ فبعلبك الهرمل لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر حاجتها إلى مستشفيات ومراكز زراعية وقطاع منتج وفرص عمل، وإلى علاقات عربية متوازنة تعيد وصل المنطقة بمحيطها الإقتصادي، بعيداً عن منطق المحاور الذي دفع لبنان ثمنه.