أعلن رئيس حزب «راعم» (القائمة العربية الموحدة)، منصور عباس، توصية حزبه بتكليف رئيس حزب «يشار» غادي آيزنكوت تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، رافضاً الاتهامات المتعلقة بتدخل أجنبي في الانتخابات، ومتهماً حلفاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشن حملة ملاحقة سياسية ضد الأحزاب العربية.
وجاء موقف عباس خلال مشاورات أجراها الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ مع وفد «راعم» في مقر الرئاسة، وضمّ، إلى جانب عباس، عضوَي الكنيست إيمان خطيب ياسين ووليد الهواشلة، إضافة إلى النائب والمسؤول السابق في الشرطة يوآف سيغالوفيتش.
وأعرب عباس عن أمله في أن تنجح المشاورات في تشكيل «حكومة جيدة»، مشيراً إلى أن «راعم» بات أكبر حزب يمثّل الناخبين العرب، وأن الارتفاع الكبير في نسبة مشاركتهم في الانتخابات يعكس، بحسب رأيه، حالة الاستياء من حكومة نتنياهو.
تحقيقات التدخل الأجنبي... وعباس يردّ
وخلال اللقاء، أثار هرتسوغ ملف التحقيقات الجارية بشأن شبهات التمويل الأجنبي والتدخل في الانتخابات، قائلاً: «لدينا عدة قضايا كبيرة لا يمكن تجاهلها. لنبدأ بالأولى».
وأضاف: «نتائج الانتخابات نهائية وقد جرت المصادقة عليها، لكن هناك تحقيقاً جارياً في أعقاب اتهامات بالتأثير في الانتخابات وتمويل أجنبي».
وردّ عباس مؤكداً ترحيب حزبه بالتحقيقات، مشيراً إلى أن «راعم» أعلن مرتين دعمه لمطالبة جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» والشرطة بفحص هذه الادعاءات.
وقال: «لقد رحّبنا في مناسبتين بالمطالبة بإجراء تحقيق من جانب الشاباك والشرطة، وأكدنا أننا تحت تصرّف سلطات التحقيق. نحن واثقون من أنفسنا».
واتهم عباس حزب «عوتسما يهوديت» (القوة اليهودية) وجهات متشددة داخل «الليكود» باستهداف حزبه والحركة الإسلامية والجمعيات المرتبطة بها.
وأضاف: «منذ أربع سنوات، نتعرّض، بشكل أساسي على أيدي عوتسما يهوديت وعناصر متطرفة داخل الليكود، لملاحقة سياسية».
وشدّد على أن «راعم» والحركة الإسلامية والمؤسسات غير الربحية تطالب بإجراء تحقيق لكشف الحقيقة.
سيغالوفيتش يهاجم نتنياهو: سمح للمتطرفين بالسيطرة
من جهته، دافع يوآف سيغالوفيتش، المسؤول السابق في الشرطة الإسرائيلية الذي انضم إلى «راعم»، عن قراره السياسي، مؤكداً أنه جاء نتيجة قلقه من المسار الذي تسلكه إسرائيل وتدهور الخطاب العام.
وقال: «انضممت إلى راعم بصفتي يهودياً ووطنياً إسرائيلياً وصهيونياً، بسبب قلقي من الاتجاه الذي تسير فيه الدولة وطبيعة الخطاب العام فيها».
وأضاف: «نحن أمام شرخ عميق. من يريد مستقبلاً مختلفاً عليه النظر إلى الحقائق واحتياجات المجتمع، لكن ذلك لا يحدث. الخطاب سامّ، ونتنياهو هو من يقوده».
واتهم سيغالوفيتش نتنياهو بشيطنة الحركة الإسلامية وممثلي الأحزاب العربية، في وقت يواصل فيه تحالفه السياسي مع إيتمار بن غفير.
وقال: «بالأمس فقط، قال إن الحركة الإسلامية تشكّل خطراً وإن الجميع مؤيدون للإرهاب. الشخص الوحيد الذي يدعم الإرهاب هو إيتمار بن غفير، الذي يجلس في حكومته وسبق أن أُدين».
وخلال النقاش، أشار هرتسوغ إلى أن عدداً من الأحزاب المشاركة في المشاورات يعارض تشكيل حكومة تضم أحزاباً عربية غير صهيونية، موضحاً أن اعتراضاتها لا تستهدف المواطنين العرب أنفسهم.
إلا أن سيغالوفيتش رفض هذا التمييز، معتبراً أن التصريحات التحريضية أصبحت جزءاً من الخطاب السياسي المقبول داخل الحكومة اليمينية.
وأضاف: «نتنياهو هو من سمح للمتطرفين بتولّي القيادة».
انتقادات للتحقيقات والاعتقالات يوم الانتخابات
وتطرّق سيغالوفيتش إلى التحقيقات المتعلقة بشبهات التدخل الأجنبي ومغلفات مرتبطة بالانتخابات، منتقداً طريقة تعامل السلطات ومكتب رئيس الوزراء مع الملف.
واستناداً إلى خبرته الطويلة في أجهزة إنفاذ القانون، شكّك في ملابسات الاعتقالات التي نُفذت يوم الانتخابات، والتقارير التي تحدثت عن رغبة رئيس الشاباك في التحقيق مع قيادات حزبية.
وقال: «عملت سنوات طويلة في التحقيقات، ولم أشهد حادثة مشينة كهذه، يُمرّر فيها مكتب رئيس الوزراء معلومات إلى قائد شرطة لوائي ويُعتقل أشخاص يوم الانتخابات».
وأضاف: «لم أشهد تقارير من هذا النوع، تزعم أن رئيس الشاباك يريد التحقيق مع رؤساء أحزاب سياسية، بينما توضّح المستشارة القضائية أنه لا توجد أدلة».
هرتسوغ يضغط على عباس بشأن حماس
وشهد اللقاء نقاشاً حاداً بشأن موقف «راعم» من حركة حماس، وإمكان مشاركته في حكومة تتخذ قرارات عسكرية ضد الحركة.
وسأل هرتسوغ عباس عمّا إذا كان الحزب قادراً على المشاركة في حكومة «تحارب الإرهاب بحرية ومن دون قيود».
وردّ عباس بأن الادعاء بأن مشاركة «راعم» في الحكومة قد تمنع المجلس الوزاري أو الحكومة من حماية المواطنين الإسرائيليين «غير صحيح إطلاقاً».
كما دافع عن تجربة حكومة التغيير السابقة التي شارك فيها حزبه، قائلاً: «حتى في أسوأ أيامها، كانت حكومة التغيير أفضل لإسرائيل من حيث الأمن القومي والمجتمعي من حكومة اليمين الكاملة».
ودعا آيزنكوت إلى تشكيل الحكومة الجديدة في أسرع وقت ممكن.
وعندما انتقل هرتسوغ إلى السؤال عن حماس، تجنّب عباس وصف الحركة صراحة بأنها «منظمة إرهابية»، لكنه أكد معارضة حزبه للعنف والإرهاب ودعمه لنزع سلاح الحركة.
وقال: «مؤسس الحركة الإسلامية أعلن معارضته للأعمال الإرهابية والهجمات الإرهابية، ونحن نواصل هذا النهج».
وأضاف: «لم يخضع أي شخص في الحركة أو بين أعضاء راعم للتحقيق بشبهة الخيانة أو التماهي مع منظمة إرهابية. لا يمكنكم إخضاعنا باستمرار لاختبارات الولاء».
عباس: نؤيد نزع سلاح حماس وفق خطة ترامب
واستشهد عباس بالإطار الذي طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة، قائلاً إن الحكومة الإسرائيلية وافقت عليه، وإنه يتضمن إقامة دولتين ونزع سلاح حماس وسائر التنظيمات المسلحة.
وأضاف: «رؤيتنا هي المصالحة والسلام».
وعندما ذكّره هرتسوغ بأن الخطة تشترط تسليم حماس أسلحتها قبل التقدّم نحو تسوية سياسية، أجاب عباس: «هذا ما نريده. لقد قلت ذلك بالفعل».
وانتقد عباس أيضاً أداء القيادة الإسرائيلية قبل هجوم السابع من تشرين الأول 2023، معتبراً أن الإخفاقات الأمنية والاستخبارية نتجت عن افتراضات خاطئة بشأن نيات حماس.
وقال: «يمكن الحفاظ على الأمن بعقل منفتح، بدلاً من الاعتماد على افتراضات خاطئة كما حدث معنا».
وأضاف، في إشارة إلى يحيى السنوار: «هناك من صدّق السنوار، ولهذا نام قرير العين ليلاً».
«أريد حماية نفسي وعائلتي»
وفي ختام المشاورات، واجه المدير العام لمقر الرئاسة عباس بسؤال مباشر: «لماذا لا تقول إن حماس منظمة إرهابية؟».
وردّ عباس ملمّحاً إلى أن إطلاق توصيف صريح من هذا النوع قد يعرّض سلامته وسلامة أفراد عائلته للخطر، فضلاً عن تقويض دوره في بناء جسور التواصل بين المجتمعين العربي واليهودي.
وقال: «لديّ إجابة قاطعة، لكن اتركوا لي هذه المساحة لبناء جسر وممارسة التأثير على الطرف الآخر أيضاً. واتركوا لي مجالاً لحماية نفسي وعائلتي».
وأضاف: «نحن جسر. دعونا لا ندمّر هذا الجسر، ولا تحوّلونا إلى مؤيدين للإرهاب أو خونة».
واستشهد عباس بمبدأ «بيكواح نيفيش» في الشريعة اليهودية، الذي يجيز تقديم الحفاظ على حياة الإنسان على اعتبارات دينية أخرى، قائلاً إن المسألة تتعلق، من ناحية معينة، بالحفاظ على الأرواح.
وشدّد على أن حزبه «يعارض بصورة قاطعة الإرهاب والعنف ضد أي إنسان».
عباس يدعو إلى حكومة تضم مختلف الأطياف
وفي مؤتمر صحافي عقب الاجتماع، أعرب عباس عن أمله في تشكيل حكومة تضم ممثلين عن مختلف التيارات السياسية والاجتماعية في إسرائيل، بما فيها الأحزاب الحريدية.
وقال: «أريد أن أرى جميع مكوّنات المجتمع الإسرائيلي ممثّلة: اليمين والوسط واليسار، اليهود والعرب».
وأضاف أنه سبق أن دعا، خلال تجربة حكومة التغيير، إلى إشراك الأحزاب الحريدية في الائتلاف الحكومي، معتبراً أن تحقيق ذلك لا يزال ممكناً، وأنه يمكن التوصل إلى تفاهمات بشأن القضايا الخلافية.