المحامي إميل عون

قراءة قانونية لإتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل 2026: التحليل القانوني للمادتين 6 و7 (جزء رابع)

34 دقيقة للقراءة


يستكمل الكاتب التوسع في مضمون إتفاق الإطار 2026 بقراءات قانونية متتابعة نشرت بتاريخ سابق في «نداء الوطن» تجدونها على الرابط التالي، ويعالج بالتفصيل في القراءة الحاضرة في الجزء الرابع مضمون المادتين 6 و7 عبر عناوين أو أسئلة متتالية كما يتبين لاحقًا:

المادة 6: احتكار الدولة للقوة المسلحة وحصرية قرار الحرب والسلم.

تُعد المادة السادسة من الوجهة القانونية من أهم مواد اتفاق الإطار، لأنها لا تقتصر على تنظيم جانب من العلاقة الأمنية بين لبنان وإسرائيل، وإنما تكرّس بصورة صريحة في إطار دولي مجموعة من المبادئ المتصلة بسيادة الدولة اللبنانية واختصاص مؤسساتها الدستورية في مسائل الأمن والدفاع والحرب والسلم. وتتضمن المادة في جوهرها ثلاثة مبادئ مترابطة:

حصرية مسؤولية الدولة اللبنانية عن أمن لبنان ودفاعه، حصرية السلطة السيادية للدولة اللبنانية في إعلان الحرب والسلام، رفض أي ادعاء صادر عن دولة أو جهة من غير الدول باستخدام القوة نيابة عن لبنان من دون تفويض صريح منه. ومن ثم، فإن أهمية هذه المادة تتجاوز الجانب الأمني المباشر، لتضعها عند نقطة التقاء ثلاثة فروع قانونية هي القانون الدولي العام، والقانون الدستوري اللبناني، وقانون المسؤولية الدولية للدول. وهي لذلك قد

تصبح من النصوص الأساسية عند تفسير الالتزامات التي قبل بها لبنان بموجب الإطار، ولا سيما عند بحث مشروعية أي استخدام للقوة داخل الأراضي اللبنانية أو باسم لبنان، وعند تحديد العلاقة القانونية بين الدولة والجماعات المسلحة من غير الدول(1).

- تبدأ المادة السادسة بما يلي: «تؤكد حكومة لبنان، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة وفي إطار ممارسة سلطتها السيادية…»

هنا، لا تبدو الإشارة إلى ميثاق الأمم المتحدة مجرد إحالة سياسية أو إنشائية، بل تؤدي وظيفة تفسيرية وقانونية مهمة، فميثاق الأمم المتحدة يشكل الإطار الأساسي الذي ينظم العلاقات الدولية المعاصرة، ومن أبرز مبادئه المساواة في السيادة بين الدول، والامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، وعدم التدخل في الشؤون التي تدخل أساساً في الاختصاص الداخلي للدول(2). وتكتسب الإحالة إلى الميثاق أهمية إضافية في ضوء المادة 103 منه، التي تقرر أنه عند تعارض التزامات أعضاء

الأمم المتحدة بموجب الميثاق مع التزاماتهم بموجب أي اتفاق دولي آخر، تكون الالتزامات الناشئة عن الميثاق هي الواجبة الأولوية (3).  ومن ثم، لا يمكن تفسير الالتزامات الواردة في المادة السادسة بمعزل عن القواعد الأساسية للميثاق، وتتفق هذه النتيجة أيضاً مع قواعد تفسير المعاهدات، فالمادة 31 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات تفرض تفسير المعاهدة بحسن نية، وفق المعنى العادي لألفاظها وفي سياقها وفي ضوء موضوعها وغرضها، كما تفرض في إطار السياق مراعاة أي قواعد ذات صلة من القانون الدولي واجبة التطبيق في العلاقات بين الأطراف (4). وعليه، فإن ذكر ميثاق الأمم المتحدة صراحةً في المادة السادسة يعزز وجوب قراءة النص ضمن منظومة الميثاق، وليس باعتباره التزاماً أمنياً ثنائياً منفصلاً عنها. كما تستخدم المادة تعبيراً بالغ الدلالة «وفي إطار ممارسة سلطتها السيادية…»، فلا تقتصر العبارة على تأكيد أن لبنان دولة ذات سيادة، وإنما تربط السيادة بممارستها، وهذا التمييز مهم في القانون الدولي، فالدولة قد تحتفظ بشخصيتها القانونية الدولية وسيادتها القانونية حتى في ظروف تكون فيها قدرتها الفعلية على ممارسة بعض وظائفها الحكومية محدودة. وبالتالي، يجب التمييز بين وجود السيادة القانونية والقدرة الفعلية على ممارسة مظاهر السلطة السيادية، ويؤكد جايمس كراوفرد في تحليله لمقومات الدولة ومفهوم الحكومة أن وجود سلطة حكومية فعالة يمثل عنصراً أساسياً في وصف الدولة، مع ضرورة التمييز بين الشخصية القانونية للدولة وبين درجة فعاليتها الفعلية في ممارسة سلطتها (5)، ومن هنا، فإن المادة السادسة لا تنشئ السيادة اللبنانية من جديد، لأن السيادة قائمة في القانون الدولي، وإنما تتجه إلى تكريس ممارسة الدولة لهذه السيادة في مجال الأمن والدفاع. ومن المهم هنا عدم الخلط بين السيادة الإقليمية وبين السيطرة الواقعية على كل جزء من الإقليم، فالقانون الدولي لا يفترض أن فقدان السيطرة الفعلية على منطقة معينة يؤدي تلقائياً إلى زوال السيادة القانونية للدولة عليها. ولذلك فإن مفهوم «الفعالية» لا ينبغي أن يتحول إلى قاعدة مفادها أن كل قصور مؤقت في السيطرة يؤدي إلى فقدان الإقليم. وهذا التمييز مهم جداً في الحالة اللبنانية، فالمادة السادسة لا تنشئ السيادة اللبنانية على الأراضي اللبنانية، وإنما تهدف إلى تعزيز قدرة الدولة على ممارسة وظائفها السيادية فيها.

- كما نقرأ أيضاً في المادة السادسة عبارة «قواتها الأمنية تتحمل المسؤولية الحصرية عن أمن لبنان ودفاعه».

وهذه العبارة تمثل جوهر هذه المادة، فينبغي اذًا التمييز هنا بين مفهومين، الأول هو المفهوم السياسي والاجتماعي لـ«احتكار القوة»، الذي ارتبط بصورة خاصة بتحليل ماكس ويبر للدولة الحديثة بوصفها الجهة التي تطالب باحتكار الاستعمال المشروع للقوة المادية داخل إقليم معين (6)، والثاني هو المفهوم القانوني الدولي، الذي يستند إلى سيادة الدولة واختصاصها الإقليمي وإلى مبدأ عدم استخدام القوة ضدها. وعليه، فإن «احتكار الدولة للقوة» ليس قاعدة مستقلة وردت بهذه العبارة الحرفية في ميثاق الأمم المتحدة، وإنما هو نتيجة قانونية وسياسية لمبدأ سيادة الدولة واختصاص مؤسساتها الحكومية في ممارسة الوظائف العامة الأساسية، ولا سيما الأمن والدفاع. وقد تناول مالكولم شاو العلاقة بين السيادة والاختصاص الإقليمي وممارسة السلطة الحكومية، مؤكداً مركزية السلطة الحكومية في البنية القانونية للدولة الحديثة (7)، والسؤال هنا، هل تنشئ المادة التزاماً جديداً؟ من الناحية القانونية، ينبغي التفريق بين مستويين، فعلى مستوى القانون الدولي العام، مبدأ سيادة الدولة واختصاصها الإقليمي قائم قبل اتفاق الإطار، أما على مستوى العلاقة التعاقدية الناشئة عن الإطار، فإن المادة السادسة تضفي على هذا المبدأ صيغة أكثر تحديداً، إذ تقبل حكومة لبنان صراحةً بأن تكون قواتها الأمنية هي صاحبة المسؤولية الحصرية عن أمن لبنان ودفاعه. ومن هنا، يمكن القول أن المادة لا تنشئ مبدأ السيادة من العدم، لكنها تُحوّل تأكيداً عاماً لمبدأ السيادة إلى التزام تعاقدي محدد في المجال الأمني (8)، وهذا التمييز بين الالتزام الدولي القائم أصلاً والالتزام التعاهدي الذي يعيد تأكيده النص سيكون مهماً عند بحث المسؤولية عن أي إخلال مستقبلي بالمادة.

- تضيف المادة «وأن حكومة لبنان هي صاحبة السلطة السيادية الحصرية في إعلان الحرب والسلام»،

فتتجاوز هذه العبارة مسألة السيطرة الأمنية اليومية لتصل إلى مسألة القرار السياسي والقانوني الأعلى المتعلق بالحرب والسلام، فالقاعدة الأساسية في القانون الدولي هي أن الدولة، بإعتبارها الشخص القانوني الدولي، هي التي تتحمل حقوق والتزامات الحرب والسلم والعلاقات الدولية، وليس الجماعات الخاصة أو التنظيمات غير الحكومية بوصفها هذه الجماعات، غير أن تحديد أي سلطة داخل الدولة تملك إتخاذ قرار الحرب والسلام هو في الأصل مسألة يحكمها القانون الدستوري الداخلي. وهنا تصبح المادة السادسة ذات طبيعة مزدوجة، فهي من جهة تؤكد المبدأ الدولي المتمثل في أن الدولة هي صاحبة الاختصاص في علاقاتها الخارجية، ومن جهة أخرى تحيل عملياً إلى النظام الدستوري اللبناني لتحديد الجهة أو الجهات التي تمارس هذا الاختصاص (9). وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة عند ربط المادة السادسة بالمادة 52 من الدستور اللبناني، فالمادة 52 تتعلق بتولي رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، وبالموافقة عليها وفق الحالات التي حددها الدستور. ومن ثم، لا ينبغي تفسير عبارة «الحكومة اللبنانية» الواردة في المادة السادسة على أنها تستبدل أو تلغي التوزيع الدستوري للصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومجلس الوزراء ومجلس النواب، والأدق هو أن المادة السادسة تؤكد المبدأ الخارجي القائل بأن القرار الرسمي المتعلق بالحرب والسلام يعود إلى الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية المختصة، بينما يحدد الدستور داخلياً كيفية ممارسة هذا الاختصاص (10)، و تكون هذه نقطة بالغة الأهمية عند تحليل المادة 52 من الدستور بصورة مستقلة.

- تنص المادة 6 «ترفض الحكومة اللبنانية ادعاءات أي دولة أو جهة من غير الدول باستخدام القوة نيابة عنها دون تفويض صريح منها…»

وهذه من أكثر فقرات المادة السادسة أهمية، فالصياغة لا تكتفي بالقول أن لبنان لا يوافق على استخدام القوة من قبل جهات أخرى، وإنما تستعمل تعبير «نيابة عنها»، وهذا التعبير يرتبط بمسألة نسبة السلوك إلى الدولة (Attribution)، ولكن يقتضي هنا إجراء تمييز قانوني بالغ الأهمية، فكون جماعة مسلحة تقول إنها تعمل «نيابة عن لبنان» لا يجعل أفعالها منسوبة إلى لبنان تلقائياً، كما أن مجرد إعلان الحكومة اللبنانية عدم تفويضها لهذه الجماعة لا يحسم بمفرده مسألة الإسناد في القانون الدولي، فالإسناد يخضع للقواعد الدولية المستقلة التي طورتها لجنة القانون الدولي والاجتهاد الدولي(11). وتنص المادة 4 من مشروع مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً على إسناد سلوك أجهزة الدولة إلى الدولة، وتتناول المادة 8 الأفعال التي تقوم بها جماعة أو أشخاص بتوجيه أو تعليمات أو تحت سيطرة الدولة. أما المادة 11 فتتناول السلوك الذي لا يكون منسوباً إلى الدولة بموجب المواد السابقة، ولكن الدولة تعترف به وتتبناه لاحقاً بوصفه سلوكاً صادراً عنها. وتؤكد التعليقات الرسمية للجنة القانون الدولي أن قواعد الإسناد هذه تتعلق بتحديد ما إذا كان السلوك «فعل دولة» لأغراض المسؤولية الدولية، وأن الإسناد يختلف من الناحية التحليلية عن مسألة ما إذا كان السلوك مشروعاً أو غير مشروع (12)، وهذا التفريق بالغ الأهمية عند قراءة المادة السادسة. وتشير الصياغة السابقة للتحليل إلى معيار Effective Control وهنا ينبغي التدقيق، ففي قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة، وضعت محكمة العدل الدولية معياراً صارماً نسبياً لإسناد سلوك جماعة مسلحة إلى دولة، واشترطت إثبات درجة من السيطرة الفعلية على العمليات التي ارتكب خلالها الفعل محل البحث حتى يمكن تحميل الدولة المسؤولية عن ذلك السلوك (13)، وقد أكدت المحكمة أن مجرد التمويل أو التسليح أو التدريب أو الدعم لا يكفي في ذاته لإسناد جميع أفعال الجماعة إلى الدولة الداعمة. وهذا ما يجعل مسألة الإسناد منفصلة عن مسألة وجود علاقات سياسية أو عسكرية أو مالية بين الدولة والجماعة. وفي المقابل، ظهر أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضية Tadic معيار أكثر اتساعاً هو Overall Control في سياق تحديد الطبيعة الدولية للنزاع المسلح(14)، غير أن محكمة العدل الدولية عادت، في قضية Bosnia and Herzegovina v. Serbia and Montenegro لعام 2007، إلى التمييز بين معيار السيطرة الشاملة المستخدم في سياق تصنيف النزاع وبين معيار الإسناد المستخدم لتحديد المسؤولية الدولية عن فعل معين، وتمسكت بالنسبة إلى الإسناد بمعيار أكثر صرامة يرتبط بالسيطرة الفعلية (15) ، ومن هنا فإن المادة السادسة لا يمكن أن تُفهم على أنها تعدّل هذه القواعد القضائية الدولية، وإنما يمكن القول إنها تزيل من الناحية السياسية والقانونية أي أساس لادعاء جماعة مسلحة بأنها تعمل بتفويض من الدولة اللبنانية ما لم يوجد تفويض صريح من السلطة المختصة. بكل الاحوال، تتطلب هذه العبارة «دون تفويض صريح منها» وقفة خاصة، فالمادة لا تقول فقط «دون موافقتها»، بل تقول «دون تفويض صريح منها»، وهذا اختيار لغوي له أهمية قانونية، فلبنان يعلن من خلال هذه الصياغة أنه لا يعترف لأي جهة من غير الدول بسلطة التمثيل العسكري عنه بصورة ضمنية أو مفترضة. وبذلك، فإن أي جهة غير حكومية لا تستطيع أن تستند، بمجرد ادعائها حماية لبنان أو الدفاع عن مصالحه، إلى وجود تفويض ضمني من الدولة اللبنانية، وهذا المبدأ يمكن أن تكون له أهمية كبيرة عند تحليل الادعاءات المتعلقة بممارسة حق الدفاع عن النفس «نيابة عن لبنان»، أو استخدام القوة ضد دولة أخرى باسم الدفاع عن الأراضي أو المصالح اللبنانية. ومع ذلك، يجب التأكيد مجدداً أن هذا الإعلان لا يلغي قواعد الإسناد الدولية، فهو يؤثر في مسألة التفويض والتمثيل، لكنه لا يستطيع وحده أن يقرر مسبقاً وبصورة نهائية أن فعلاً معيناً لا يمكن أن ينسب إلى لبنان إذا توافرت في الواقع إحدى حالات الإسناد التي يعترف بها القانون الدولي(16).

- تنص المادة 6 «وتؤكد مجدداً أن أي ادعاء من جانب أي دولة أو جهة من غير الدول بممارسة دور عسكري أو أمني يُعد غير قانوني بموجب قرارات الحكومة اللبنانية…»

وهنا تنتقل الصياغة من مجرد رفض سياسي إلى توصيف قانوني صريح، فالحكومة اللبنانية لا تكتفي بإعلان عدم موافقتها، بل تعتبر الادعاء بممارسة دور عسكري أو أمني من دون التفويض المطلوب «غير قانوني». ومن زاوية القانون الداخلي، يمكن فهم النص باعتباره تأكيداً لمبدأ أن القوة المسلحة الشرعية يجب أن تعمل ضمن مؤسسات الدولة وبموجب القواعد الدستورية والقانونية اللبنانية. أما على المستوى الدولي، فإن القيمة الأساسية للنص تكمن في أنه يزيل من حيث المبدأ أي ادعاء بأن جماعة مسلحة غير حكومية تملك تفويضاً عاماً من الدولة اللبنانية لممارسة القوة باسمها. ولكن مرة أخرى، يجب عدم الخلط بين عدم وجود تفويض لبناني وعدم إمكان إسناد فعل معين إلى لبنان وفق قواعد المسؤولية الدولية، فهما مسألتان مختلفتان من الناحية القانونية (17).

- العلاقة بين المادة السادسة وقواعد المسؤولية الدولية.

تزداد أهمية المادة السادسة إذا وضعت إلى جانب مشروع مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول، فالقواعد الدولية لا تجعل الدولة مسؤولة تلقائياً عن كل فعل تقوم به جماعة خاصة موجودة داخل إقليمها. لكنها في المقابل، لا تسمح للدولة بالاحتماء بمجرد القول إن الفاعل «خاص» إذا كانت الدولة قد قامت، مثلاً، بتوجيهه أو السيطرة عليه أو تبنت سلوكه لاحقاً، أو إذا كان ثمة التزام دولي مستقل يفرض عليها اتخاذ تدابير معينة لمنع أفعال معينة(18)، وقد أوضحت لجنة القانون الدولي أن قواعد الإسناد لا تستنفد جميع صور المسؤولية الممكنة، لأن الدولة قد تكون مسؤولة أيضاً عن إخفاقها في الوفاء بالتزام مستقل بمنع سلوك معين، حتى لو لم يكن السلوك الخاص منسوباً إليها بوصفه فعلاً من أفعال الدولة (19)، وهذه نقطة بالغة الأهمية في الحالة اللبنانية، فالمادة السادسة قد تساعد لبنان في نفي أي ادعاء بأن جماعة مسلحة تمثل الدولة أو تعمل بتفويض منها، ولكن ذلك لا يعني أن لبنان يصبح محصناً تلقائياً من أي مسؤولية دولية قد تنشأ عن إخلاله بالتزامات مستقلة تتعلق بالمنع أو العناية الواجبة أو حماية الإقليم.

- مخالفة المصالح الوطنية اللبنانية.

تختتم المادة في هذا الجزء بالتأكيد على أن أي ادعاء بممارسة دور عسكري أو أمني خارج الإطار الرسمي «مخالف للمصالح الوطنية اللبنانية»، وهذه العبارة تختلف عن العبارات السابقة، فمصطلح «المصالح الوطنية» ليس بحد ذاته معياراً قانونياً دولياً محدداً مثل السيادة أو حظر استخدام القوة أو عدم التدخل. إنه مفهوم سياسي ودستوري واسع يمكن أن يكون له دور في تفسير أهداف الدولة وسياساتها، لكنه لا ينشئ بمفرده قاعدة قانونية دولية مستقلة، ولذلك فإن القيمة القانونية الأساسية لهذه العبارة هي تفسيرية أكثر منها إنشائية. فهي تؤكد أن الحكومة اللبنانية تعتبر حصر الأمن والدفاع في المؤسسات الرسمية مصلحة أساسية للدولة، لكنها لا تضيف في ذاتها قاعدة مستقلة إلى قواعد القانون الدولي.

- هل تمثل المادة السادسة تكريساً لنموذج «الدولة الويستفالية»؟

من الممكن، من الناحية النظرية، قراءة المادة السادسة باعتبارها تعيد تأكيد نموذج الدولة الحديثة القائم على وحدة السلطة والسيادة الإقليمية واحتكار المؤسسات العامة للوظائف الأساسية للدولة. لكن استعمال تعبير «الدولة الويستفالية» (Westphalian State) يحتاج إلى كثير من الدقة، لأنه تعبير فقهي وسياسي أكثر منه مصطلحاً تقنياً محدداً في القانون الدولي المعاصر. والأدق قانوناً أن يقال إن المادة السادسة تؤكد على نقاط أهمها، السيادة اللبنانية، الاختصاص الإقليمي للدولة، مركزية المؤسسات الحكومية في ممارسة الوظائف الأمنية، وحصرية تمثيل الدولة في علاقاتها الدولي، وهي مبادئ تتصل مباشرة بالبنية الأساسية للقانون الدولي الحديث (20).

- هل يكفي أن تعلن الدولة احتكارها للقوة، أم يجب أن تكون قادرة فعلياً على ممارسة هذا الاحتكار؟

هذه هي من أكثر الأسئلة أهمية التي تثيرها المادة السادسة، هنا تظهر مسألة الفعالية (Effectiveness)، فالدولة في القانون الدولي ليست مجرد إعلان قانوني، بل هي كيان يمارس وظائف حكومية على إقليم وشعب، وإن كانت درجة السيطرة الفعلية قد تتفاوت بحسب الظروف. وقد أكد كراوفورد في بحثه لمفهوم الدولة والحكومة أهمية وجود سلطة حكومية، لكنه في الوقت نفسه يميز بين معايير قيام الدولة وبين الأسئلة المتعلقة بدرجة السيطرة الفعلية التي تمارسها حكومة معينة (21)، ومن ثم فإن الأفضل عدم القول إن القانون الدولي يجعل «الفعالية» شرطاً مستقلاً لاستمرار السيادة، والأدق هو القول أن الفعالية تصبح معياراً عملياً مهماً عند تقييم مدى تنفيذ الالتزامات التي قبلتها الدولة، لكنها لا تعني أن فقدان السيطرة الفعلية المؤقت على جزء من الإقليم يؤدي تلقائياً إلى زوال السيادة القانونية عليه. وهذه نقطة مهمة جداً في الحالة اللبنانية، فالمادة السادسة لا تُقاس فقط بما تقوله الحكومة اللبنانية، وإنما سيكون تنفيذها العملي مرتبطاً بمدى قدرة مؤسسات الدولة على ممارسة الأمن والدفاع فعلياً في كامل الأراضي اللبنانية.

- ما هي الطبيعة القانونية للمادة السادسة، أهي تقريرية Declaratory أم إنشائية Constitutive ؟

الجواب الأدق هو أنها تجمع بين العنصرين، فمن الناحية التقريرية، هي تعيد تأكيد مبادئ موجودة أصلاً في القانون الدولي كسيادة الدولة والاختصاص الإقليمي ومركزية أجهزة الدولة وعدم الاعتراف لجماعات خاصة بسلطة تمثيل الدولة من تلقاء نفسها. أما من الناحية الإنشائية وفي الوقت نفسه، فإن إدراج هذه المبادئ في اتفاق دولي يمكن أن ينشئ التزاماً تعاقدياً خاصاً بين الأطراف بشأن الطريقة التي ستُمارس بها هذه المبادئ في إطار تنفيذ الاتفاق. وبالتالي، فإن الإخلال بها قد لا يكون مجرد واقعة سياسية أو داخلية، وإنما قد يثير بحسب طبيعة الإطار القانونية النهائية مسألة إخلال بالتزام دولي تعاهدي. وهنا تظهر أهمية التمييز بين مصدر الالتزام وبين مضمونه، فقد يكون مضمون الالتزام قائماً في القانون الدولي العام قبل الاتفاق، لكن الاتفاق يضيف إليه التزاماً تعاقدياً محدداً بين أطرافه(22).

كخلاصة، يمكن تسجيل عدة ملاحظات نقدية أساسية على المادة 6، فهي قوية في تأكيد السيادة ولكنها لا تحل وحدها مشكلة السيطرة الفعلية، والنص يؤكد حصرية الدولة في الأمن والدفاع، لكن تحقيق هذا الاحتكار في الواقع يحتاج إلى مؤسسات وقدرات فعلية، وليس إلى إعلان قانوني فقط.كما أن النص مهم في نفي التفويض للجماعات المسلحة، لكن يجب عدم تفسيره على أنه تعديل لقواعد الإسناد الدولية، فقواعد الإسناد تحددها قواعد القانون الدولي، وليس مجرد التوصيف الذي تختاره الحكومة في الاتفاق. الملاحظة الثالثة تشير الى أن المادة تربط القرار العسكري بالدولة اللبنانية، لكنها لا تحسم بمفردها توزيع الصلاحيات الدستورية، فعبارة «الحكومة اللبنانية» ينبغي تفسيرها في ضوء الدستور اللبناني، ولا سيما المواد التي تحدد الاختصاصات المتعلقة بالحرب والسلم والمعاهدات. ورابعًا، قد تظهر القيمة الأهم للمادة مستقبلاً في حال نشوء نزاع حول استخدام القوة، فإذا ادعت جهة غير حكومية مستقبلاً أنها تستخدم القوة دفاعاً عن لبنان أو بإسمه، فإن المادة السادسة تقدم دليلاً تعاقدياً قوياً على أن الحكومة اللبنانية لم تمنح تفويضاً عاماً أو ضمنياً لهذه الجهات، لكن هذا لا يحسم بصورة آلية سؤالاً آخر مختلفاً، هو ما إذا كانت أفعال تلك الجهة يمكن إسنادها إلى لبنان وفق قواعد المسؤولية الدولية. ونهايةً، يمكن القول أن المادة السادسة لا تنشئ السيادة اللبنانية من جديد، ولا تنشئ للمرة الأولى مبدأ احتكار الدولة للسلطة الأمنية، وإنما تقوم بوظيفة مزدوجة، فهي من جهة تؤكد مبادئ قائمة في القانون الدولي العام، ومن جهة ثانية، تحول هذه المبادئ إلى التزامات صريحة في إطار الاتفاق بين الأطراف، وتكمن أهميتها بالتحديد في أنها تؤكد أن الدولة اللبنانية هي صاحبة الاختصاص الحصري في أمن لبنان ودفاعه، وأن قرار الحرب والسلام لا يمكن أن يصدر بإسم لبنان عن جهة من غير مؤسساته الدستورية المختصة، كما تنفي وجود تفويض عام أو ضمني لأي جهة غير حكومية لإستخدام القوة نيابة عن لبنان، وتقدم أساساً تعاقدياً مهماً لرفض أي ادعاء بوجود «وكالة» أو «تمثيل» عسكري للبنان من جانب دولة أخرى أو جماعة مسلحة. بالإضافة الى ذلك، لا تلغي في المقابل قواعد الإسناد الدولية التي تحدد متى يمكن نسبة سلوك جهة غير حكومية إلى الدولة ولا تعفي لبنان من أي التزامات دولية مستقلة قد تنشأ عن إخفاقه في اتخاذ التدابير التي يفرضها عليه القانون الدولي، وتبقي مسألة ممارسة هذه السيادة فعلياً مرتبطة بقدرة مؤسسات الدولة على فرض سلطتها القانونية على كامل الإقليم. وبذلك، فإن المادة السادسة تمثل نقطة التقاء واضحة بين السيادة الدولية، والاختصاص الدستوري، والمسؤولية الدولية. ولعل أهم ما فيها من الناحية القانونية، ليس أنها تعلن أن لبنان دولة ذات سيادة، فهذا أمر سابق على الاتفاق، وإنما أنها تجعل ممارسة الدولة اللبنانية الحصرية للسلطة العسكرية والأمنية جزءاً صريحاً من البنية القانونية للإطار نفسه. ومن هنا، فإنها قد تكون ذات أهمية خاصة عند قراءة المواد السادسة والسابعة والثامنة مجتمعة، لأن المادة السابعة تتناول مباشرة حق الدفاع عن النفس، بينما تحدد المادة السادسة من يملك، من الجانب اللبناني، سلطة ممارسة القوة أو التفويض بها. وبالتالي فإن قراءة المادتين معاً قد تكشف بصورة أوضح عن التصور الذي أراد الإطار تكريسه بشأن من يملك قانوناً قرار استخدام القوة في لبنان ومن يملك التذرع بحق الدفاع عن النفس باسم الدولة اللبنانية.

المادة السابعة: حق الدفاع الشرعي، حظر الإنابة في استعمال القوة، وآلية التنسيق العسكري.

تشكّل المادة السابعة إحدى أكثر مواد الاتفاق الإطاري تعقيداً من الناحية القانونية، لأنها تجمع بين ثلاثة مواضيع رئيسية في القانون الدولي العام: حق الدفاع الشرعي، وحدود ممارسة هذا الحق بواسطة أطراف ثالثة، وإنشاء آلية للتنسيق العسكري بمشاركة الولايات المتحدة. ولا تنشئ هذه المادة حق الدفاع عن النفس من أساسه، إذ إن هذا الحق معترف به في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة وفي القانون الدولي العرفي، لكنها تؤكد استمرار هذا الحق في إطار الاتفاق، وتربطه صراحةً بوجوب احترام القانون الدولي الساري، ثم تطرح مسألة دقيقة تتعلق بمدى جواز ممارسة الدفاع الشرعي نيابةً عن دولة أخرى، قبل أن تقرر إنشاء مجموعة تنسيق عسكري لضمان تنفيذ الاتفاق (23). وعلى هذا الأساس، ينبغي تحليل المادة على ثلاثة مستويات مترابطة، المستوى الموضوعي المتعلق بشروط استخدام القوة، والمستوى المتصل بسيادة الدولة وحدود التفويض بممارسة القوة باسمها، والمستوى المؤسسي المتعلق بطبيعة مجموعة التنسيق العسكري واختصاصاتها.

- إعادة تأكيد الحق الأصيل في الدفاع عن النفس

تنص المادة 7 على «تؤكد كل من الحكومة اللبنانية والحكومة الإسرائيلية أن لا شيء في هذا الإطار يمنعهما من ممارسة حقهما الأصيل في الدفاع عن النفس». تتخذ هذه العبارة، من حيث الأصل طابعاً تقريرياً لا إنشائياً، فهي لا تنشئ حقاً جديداً، بل تؤكد أن الاتفاق لا يُفسَّر على أنه يتضمن تنازلاً عن حق الدفاع الشرعي المقرر في القانون الدولي. ويستند هذا الحق إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على أن الميثاق لا ينتقص من «الحق الأصيل في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، إذا وقع هجوم مسلح» ضد أحد أعضاء الأمم المتحدة(24). وتكتسب عبارة «لا شيء في هذا الإطار يمنعهما» أهمية تفسيرية، لأنها تؤدي وظيفة تحفظية، شبيهة بما يعرف في الصياغة الاتفاقية ببند حفظ الحقوق (Saving Clause)، ومع ذلك فإن وجود هذا البند لا يعني أن الطرفين أصبحا يتمتعان بحرية مطلقة في استعمال القوة، ولا أنهما يستطيعان الاستناد إليه لتجاوز الشروط التي يفرضها الميثاق والقانون الدولي العرفي، فالمادة تحفظ الحق في الدفاع الشرعي ضمن حدوده القانونية، ولا توسّع تلك الحدود بذاتها. إن استخدام عبارة «الحق الأصيل» (Inherent Right) يتطابق مع الصياغة الواردة في المادة 51 من الميثاق، وقد أثار هذا التعبير نقاشاً فقهياً حول ما إذا كان الميثاق قد أنشأ حق الدفاع الشرعي أم اعترف بحق سابق عليه في القانون الدولي. ويشرح الفقيه يورام دينشتاين في دراسته لحق الدفاع الشرعي أن تفسير هذا الحق يستلزم قراءة المادة 51 في ضوء القواعد العرفية ذات الصلة، مع عدم تحويل وصفه بأنه «أصيل» إلى أساس لتجاهل القيود القانونية المفروضة على استعمال القوة (25). ومن ثم، فإن المادة السابعة لا تمنح لبنان أو إسرائيل سلطة جديدة، بل تؤكد استمرار حقهما في التمسك بالدفاع الشرعي متى توافرت شروطه القانونية.

- ممارسة الدفاع الشرعي بما يتوافق مع القانون الدولي الساري

تضيف المادة قيداً أساسياً، إذ تشترط أن تتم ممارسة حق الدفاع عن النفس «بما يتوافق مع القانون الدولي الساري». ولا يكفي إعلان الدولة أنها تتصرف دفاعاً عن النفس لكي يصبح استعمالها للقوة مشروعاً، بل يجب أن تتوافر الشروط التي يفرضها ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي العرفي، وفي مقدمتها وقوع هجوم مسلح، وضرورة اللجوء إلى القوة لرده، والتناسب بين القوة الدفاعية والغاية المشروعة المتمثلة في وقف الهجوم أو التصدي له (26). وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها(1986) أن الدفاع الشرعي الجماعي يخضع لشروط قانونية، وأن مجرد إعلان دولة أخرى تعرضها لهجوم لا يكفي وحده لتبرير تدخل دولة ثالثة بالقوة، كما تناولت المحكمة في قضية المنصات النفطية(2003) ضرورة التحقق من وجود هجوم مسلح ومن استيفاء شروط الضرورة والتناسب قبل قبول التذرع بالدفاع الشرعي(27). وفي قضية الأنشطة المسلحة على إقليم الكونغو (جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد أوغندا، 2005)، رفضت المحكمة تبرير الوجود العسكري الأوغندي واستخدام القوة على أساس الدفاع الشرعي، لعدم توافر الشروط القانونية اللازمة في الظروف التي عرضت عليها(28). وتترتب على ذلك نتيجة مهمة بالنسبة إلى المادة السابعة اذ لا يمكن اعتبار النص ترخيصاً مسبقاً لأي عملية عسكرية مستقبلية، ولا إعفاءً من التحقق من ظروف كل استعمال للقوة ومدى توافقه مع القانون الدولي.

- هل تجيز المادة الدفاع الوقائي أو الاستباقي؟

لم تتناول المادة السابعة صراحةً الدفاع الوقائي (Preventive Self-Defence) أو الدفاع الاستباقي (Preemptive Self-Defence)، ولم تضع تعريفاً مستقلاً للخطر الوشيك أو للتهديد المستقبلي. ولهذا، لا يمكن الاستناد إلى هذه المادة وحدها للقول أن لبنان وإسرائيل اتفقا على توسيع مفهوم الدفاع الشرعي ليشمل استعمال القوة ضد تهديدات محتملة لم تتحول إلى هجوم مسلح. وتؤكد كريستين غراي أن نطاق الدفاع الشرعي، ولا سيما في مواجهة التهديدات والجماعات المسلحة غير الحكومية، يظل من المسائل الخلافية في الممارسة الدولية والفقه (29). وعليه، فإن عبارة «وفقاً للقانون الدولي الساري» تؤدي وظيفة تقييدية لا توسعية، فهي تُبقي مشروعية كل عملية عسكرية خاضعة للقواعد العامة، بصرف النظر عن توصيف الطرف الذي يقوم بها.

- حظر ممارسة الدفاع الشرعي بواسطة طرف ثالث

تنص المادة على «مع التأكيد مجدداً على أنه لا يجوز لأي طرف ثالث ممارسة هذا الحق نيابة عنهما».

تثير هذه العبارة مسألة قانونية دقيقة، لأنها تتصل بالتمييز بين ممارسة دولة حقها في الدفاع عن النفس، وبين قيام دولة أخرى بمساعدتها أو بالدفاع عنها. ومن الضروري التمييز بين ثلاثة أوضاع قانونية، الادعاء المنفرد بالتمثيل، أي أن تعلن دولة أو جماعة مسلحة من تلقاء نفسها أنها تستخدم القوة دفاعاً عن دولة أخرى، من دون موافقة تلك الدولة أو تفويضها. التفويض أو الموافقة، أي أن تسمح الدولة وفقاً لقواعد القانون الدولي والقانون الداخلي ذات الصلة، لطرف آخر باتخاذ إجراءات محددة نيابةً عنها أو بمساعدتها. والدفاع الشرعي الجماعي، أي أن تتدخل دولة لمساعدة دولة أخرى تعرضت لهجوم مسلح، ضمن الشروط التي يفرضها القانون الدولي، ومنها طلب الدولة المستفيدة المساعدة في الظروف التي تناولها اجتهاد محكمة العدل الدولية. وقد رفضت المحكمة في قضية نيكاراغوا قبول التذرع بالدفاع الشرعي الجماعي في غياب استيفاء شروطه، بما في ذلك طلب الدولة التي يُدّعى الدفاع عنها (30). لذلك، فإن القراءة الأكثر اتساقاً مع الميثاق لعبارة المادة السابعة هي أنها تستهدف منع أي طرف من ادعاء سلطة مستقلة في ممارسة الدفاع الشرعي باسم لبنان أو إسرائيل من دون أساس قانوني مناسب.

- هل تمنع العبارة الدفاع الجماعي المشروع؟

لا ينبغي تفسير هذه العبارة على نحو يؤدي تلقائياً إلى إلغاء نظام الدفاع الشرعي الجماعي المنصوص عليه في المادة 51 من الميثاق. فمجرد القول إنه لا يجوز لطرف ثالث ممارسة حق الدفاع نيابةً عن أحد الطرفين لا يكفي، من دون نص أو سياق أوضح، لاستنتاج أن الطرفين قصدا استبعاد جميع أشكال المساعدة الدفاعية التي يجيزها القانون الدولي. كما أن اتفاقاً ثنائياً بين لبنان وإسرائيل لا يستطيع، بمجرد صياغته، تعديل الحقوق والالتزامات التي يقررها ميثاق الأمم المتحدة لدول ثالثة ليست طرفاً فيه. ومن ثم، يجب تفسير العبارة على أنها تنفي، في المقام الأول، وجود سلطة ذاتية لأي جهة لتقرير الحرب أو استعمال القوة باسم لبنان أو إسرائيل من دون تفويض أو أساس قانوني معتبر. أما مدى انطباقها على حالات الدفاع الجماعي المشروع، فيتوقف على التفسير الدقيق للنص والسياق الكامل للاتفاق، مع مراعاة المادة 51 من الميثاق.

- إنشاء مجموعة تنسيق عسكري.

تنص المادة على «وتلتزم الحكومتان بإنشاء مجموعة تنسيق عسكري، بدعم ومشاركة من الولايات المتحدة، لضمان التنفيذ الشامل لهذا الإطار».

تختلف هذه العبارة عن الأحكام التي تكتفي بإعلان أهداف سياسية عامة، إذ تستخدم صيغة «تلتزم الحكومتان بإنشاء»، وهي صياغة تدل من حيث المبدأ، على التزام إيجابي باتخاذ إجراء مؤسسي. ويجب التمييز هنا بين التزام إنشاء المجموعة، من جهة، والالتزام بضمان نجاحها في تحقيق جميع أهداف الاتفاق، من جهة أخرى. فالأول قابل للتحديد والتحقق بصورة مباشرة، أما الثاني فيتوقف على الاختصاصات التي ستُمنح للمجموعة، وعلى صلاحياتها ومواردها وآليات عملها. وبالتالي، يمكن وصف إنشاء المجموعة بأنه التزام باتخاذ إجراء مؤسسي محدد، من دون أن يعني ذلك أن المادة قد ضمنت مسبقاً تحقيق جميع النتائج الأمنية المرجوة.

- المركز القانوني للمجموعة واختصاصاتها.

لا يحدد النص ما إذا كانت مجموعة التنسيق العسكري لجنة مشتركة ذات اختصاص فني، أم هيئة تنفيذية، أم آلية لمراقبة تنفيذ الالتزامات الأمنية، كما لا يوضح ما إذا كانت قراراتها تصدر بالإجماع أو بالتوافق أو وفق آلية أخرى. ولا يكفي مجرد إنشاء مجموعة مشتركة للقول إنها تتمتع بشخصية قانونية دولية مستقلة، أو أنها تملك سلطة إلزام الحكومتين بقرارات تتجاوز ما وافقتا عليه. ويتوقف تحديد مركزها القانوني على النصوص المنظمة لها، وعلى الاتفاقات التنفيذية اللاحقة، وعلى طبيعة الصلاحيات التي يمنحها الطرفان لها (31). ومن الناحية العملية، تبرز أهمية هذه المسألة إذا كانت المجموعة ستتولى التحقق من الالتزامات الأمنية أو تقييم مدى تنفيذها. ففي هذه الحالة، ينبغي تحديد معايير التحقق، والجهة التي تعتمد النتائج، وآلية معالجة الخلافات، ومدى إمكان مراجعة القرارات التي تؤثر في تنفيذ الالتزامات الأساسية. وكلما كانت صلاحيات المجموعة أكثر تأثيراً في قرارات الأمن والدفاع، ازدادت ضرورة وضوح أساسها القانوني وحدود اختصاصها.

- دور الولايات المتحدة في مجموعة التنسيق العسكري.

تحدد المادة دور الولايات المتحدة بعبارة «بدعم ومشاركة من الولايات المتحدة»، فهل تصبح الولايات المتحدة طرفاً في الاتفاق؟ لا تكفي هذه العبارة وحدها للقول أن الولايات المتحدة أصبحت طرفاً في الإتفاق الإطاري أو إنها تعهدت بضمان تنفيذ جميع أحكامه، فثمة فرق بين الوساطة والتيسير والمشاركة الفنية والمراقبة والضمان الدولي، ولكل من هذه الصفات آثار قانونية مختلفة. ولا يتضمن النص، بصيغته المعروضة، تحديداً صريحاً لطبيعة المسؤولية التي تتحملها الولايات المتحدة، ولا تعهداً واضحاً منها باستخدام وسائل محددة لإجبار أي طرف على التنفيذ. وعليه، فإن الأدق قانوناً هو القول إن المادة تتصور دوراً أميركياً في دعم آلية التنسيق والمشاركة فيها، بينما تبقى طبيعة هذا الدور ومداه بحاجة إلى تحديد في النصوص التنفيذية أو الترتيبات اللاحقة.

- هل تنشأ مسؤولية دولية على الولايات المتحدة؟

لا تنشأ المسؤولية الدولية لمجرد المشاركة في مجموعة تنسيق أو تقديم الدعم السياسي أو الفني، وإنما يتوقف ذلك على طبيعة الالتزام القانوني الذي قد تقبله الدولة، وعلى الأفعال التي تقوم بها، وعلى توافر شروط المسؤولية الدولية ذات الصلة. لذلك، لا يمكن استنتاج وجود ضمان أميركي ملزم من مجرد ورود عبارة «بدعم ومشاركة من الولايات المتحدة». ويتطلب إثبات مثل هذا الضمان نصاً أو تعهداً يمكن تحديد مضمونه ونطاقه. بكل الاحوال، يمكن تقويم المادة السابعة في ضوء القانون الدولي على أنها تسعى إلى الجمع بين الحفاظ على الحق الأصيل في الدفاع الشرعي، والتأكيد على خضوع ممارسته للقانون الدولي، ومنع الادعاءات غير المفوضة بممارسة هذا الحق باسم أحد الطرفين، وإنشاء آلية للتنسيق العسكري تساعد في تنفيذ الاتفاق، وتكمن أهميتها في أنها لا تتعامل مع الدفاع الشرعي بوصفه مسألة منفصلة عن السيادة الوطنية، بل تضعه في إطار يربط بين حق الدولة في الدفاع عن نفسها وبين ضرورة تحديد الجهة المخولة باتخاذ القرار العسكري باسمها. غير أن المادة لا تستكمل، بذاتها، جميع المسائل المؤسسية اللازمة لتنفيذ هذا التصور، فهي لا تحدد اختصاصات مجموعة التنسيق بالتفصيل، ولا آليات اتخاذ قراراتها، ولا وسائل حسم الخلاف بشأن تفسير الالتزامات أو تقييم تنفيذها. كما أن العبارة المتعلقة بمنع ممارسة الدفاع الشرعي بواسطة طرف ثالث تحتاج إلى تفسير منضبط يحفظ الغرض المقصود منها، من دون أن يؤدي إلى نتيجة تتعارض مع نظام الدفاع الشرعي الفردي والجماعي في ميثاق الأمم المتحدة. ومن هنا، فإن فعالية المادة ستعتمد على أمرين متلازمين: احترام الشروط الموضوعية التي تحكم استعمال القوة، ووضع قواعد تنفيذية واضحة تحدد دور مجموعة التنسيق وحدود تدخلها وآليات التحقق من تنفيذ الاتفاق. في تقدير الكاتب، لا تمنح المادة السابعة لبنان أو إسرائيل حقاً جديداً في استخدام القوة، ولا تجعل الادعاء بالدفاع الشرعي كافياً لإثبات مشروعية أي عملية عسكرية، وإنما تؤكد استمرار الحق المقرر في القانون الدولي مع الإبقاء على شروطه وقيوده. أما عبارة عدم جواز ممارسة هذا الحق بواسطة طرف ثالث، فهي تؤكد أهمية التفويض والموافقة والسلطة القانونية في تحديد من يستطيع التصرف باسم الدولة. لكنها لا ينبغي أن تُفسر تلقائياً على أنها تلغي الدفاع الشرعي الجماعي الذي يجيزه ميثاق الأمم المتحدة. وأخيراً، فإن إنشاء مجموعة التنسيق العسكري يمثل انتقالاً من إعلان المبادئ إلى وضع آلية مؤسسية للتنفيذ، غير أن هذه الآلية لن تكون كافية وحدها لضمان الامتثال، ما لم تُحدد صلاحياتها ومعايير عملها وحدود دور الولايات المتحدة بصورة واضحة. وبذلك، فإن القيمة القانونية الحقيقية للمادة السابعة لا تكمن في إعادة ذكر حق الدفاع الشرعي فحسب، بل في كيفية التوفيق بين هذا الحق، وسيادة الدولة، وحظر استعمال القوة خارج الحدود التي يرسمها القانون الدولي.



المراجع:



(1) James Crawford, Brownlie’s Principles of Public International Law, 9th ed., Oxford University Press, 2019.

Malcolm N. Shaw, International Law, 9th ed., Cambridge University Press, 2021. Antonio Cassese, International Law, 2nd ed., Oxford University Press, 2005.

(2) Charter of the United Nations, Arts. 2(1), 2(4) and 2(7).

ICJ, Military and Paramilitary Activities in and against Nicaragua (Nicaragua v. United States of America), Merits, Judgment, I.C.J. Reports 1986, p. 14.

(3) Charter of the United Nations, Art. 103.

(4) Vienna Convention on the Law of Treaties, 1969, Art. 31(1) and 31(3)(c).

(5) James Crawford, The Creation of States in International Law, 2nd ed., Oxford University Press, 2006.

Crawford, Brownlie’s Principles of Public International Law.

(6) Max Weber, Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology, ed. Guenther Roth and Claus Wittich, University of California Press, 1978, Vol. 1, pp. 53–54.

(7) Malcolm N. Shaw, International Law.

(8) Anthony Aust, Modern Treaty Law and Practice, 3rd ed., Cambridge University Press, 2013.

Vienna Convention on the Law of Treaties, Arts. 26 and 31.

(9) Crawford, Brownlie’s Principles of Public International Law.

Pierre-Marie Dupuy and Yann Kerbrat, Droit international public, Dalloz.

(10) Constitution of the Lebanese Republic, Art. 52.

(11) International Law Commission, Draft Articles on Responsibility of States for Internationally Wrongful Acts, 2001, Arts. 4–11.

(12) ILC, Draft Articles on Responsibility of States for Internationally Wrongful Acts with Commentaries, 2001, commentary to Chapter II, Arts. 4–11.

(13) ICJ, Nicaragua v. United States, I.C.J. Reports 1986, p.14.

(14) ICTY, Prosecutor v. Duško Tadić, Appeals Chamber, Judgment, IT-94-1-A, 15 July 1999, paras. 115-145.

(15) ICJ, Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide (Bosnia and Herzegovina v. Serbia and Montenegro), Judgment, I.C.J. Reports 2007, p. 43, paras. 396-406.

(16) ILC, Draft Articles on State Responsibility, Art. 11.

(17) ILC, Draft Articles on Responsibility of States for Internationally Wrongful Acts, Arts. 4–11.

(18) ILC, Draft Articles on Responsibility of States for Internationally Wrongful Acts, Art. 8 - ICJ, Nicaragua, I.C.J. Reports 1986.

(19) ILC, Draft Articles with Commentaries, 2001, commentary to Chapter II.

(20) Malcolm N. Shaw, International Law- Antonio Cassese, International Law - Pierre-Marie Dupuy and Yann Kerbrat, Droit international public - ICJ, Nicaragua, I.C.J. Reports 1986.

(21) James Crawford, The Creation of States in International Law - Crawford, Brownlie’s Principles of Public International Law.

(22) Anthony Aust, Modern Treaty Law and Practice - Vienna Convention on the Law of Treaties, Arts. 26 and 31.

(23) Charter of the United Nations, Art. 51- Vienna Convention on the Law of Treaties, Art. 31.

(24) Charter of the United Nations, Art. 51.

(25) Yoram Dinstein, War, Aggression and Self-Defence, 7th ed., Cambridge University Press, 2021.

(26) Charter of the United Nations, Arts 2(4) and 51 – ICJ, Nicaragua, 1986, p. 14 - Christine Gray, International Law and the Use of Force.

(27) Oil Platforms (Islamic Republic of Iran v. United States of America) Judgment, ICJ Reports 2003, p. 161.

(28) Armed Activities on the Territory of the Congo (Democratic Republic of the Congo v. Uganda), Judgment, I.C.J. Reports 2005, p. 168

(29) Christine Gray, International Law and the Use of Force.

(30) ICJ, Nicaragua v. United States of America, 1986.

(31) Anthony Aust, Modern Treaty Law and Practice - Nuclear Tests (Australia v. France), Judgment, ICJ Reports 1974, p. 253.


محـام جنائي دولي وأستاذ جامعي


https://emileaoun.com/